د. حمد بن منصور البلوي
21.2K posts

د. حمد بن منصور البلوي
@699Hamad
باحثٌ في التاريخ الإسلامي، عضو الجمعية التاريخيّة السعودية.








من لا يقدم المتنبي في الشعر، شك في عقله.

♦️ يعد كتاب "التاريخ: مدخل إلى النظرية والمنهج والممارسة" من الأعمال المرجعية المهمة في حقل الدراسات التاريخية، موجهًا بالأساس إلى طلاب الدراسات العليا والباحثين المبتدئين (بالنسبة لي، من أفضل الكتب بعد دليل برينستون للبحث التاريخي، وما يميزه عن الأخير هو طرح المبادئ النظرية). وقد سعى مؤلفاه، جون ماريوت و بيتر كلوس، إلى تقديم معالجة متوازنة لا تنحاز إلى أطروحة بعينها، من خلال وضع الأفكار في سياقاتها الفكرية والنظرية، وتكشف عن تعقيداتها وتطوراتها التاريخية. يتميز النص بشموليته وثرائه المعرفي، ويعكس خبرة المؤلفين الطويلة في تدريس التاريخ وممارسته. من بين فصول الكتاب، ثمة أربعة فصول تستحق وقفة وتأمل: أ. الفصل التاسع (مابعد الحداثة وما بعد الاستعمار) يتتبع تطور الفكر التاريخي. بعد الحرب العالمية الثانية، دخل هذا الفكر مرحلة جديدة اتسمت بانهيار الثقة في سرديات التقدم المرتبطة بالمشروع التنويري (المستمد من عصر التنوير)، وظهور مقاربات ما بعد حداثية ترفض الأطر التفسيرية الشاملة. أصبح التاريخ ينظر إليه كمعرفة ظرفية، متعددة الأصوات لا تخضع لحقيقة واحدة. في هذا السياق، أعاد مؤرخو ما بعد الاستعمار تفكيك سرديات الإمبراطورية (العدسة الدوغمائية)، كاشفين عن طابعها القهري، وسعوا لإبراز تجارب الشعوب المستعمَرة التي عانت من تهميش الروايات التقليدية. وبالتالي، تحولت الكتابة التاريخية إلى ممارسة نقدية تعيد تشكيل الماضي بعيدًا عن مركزية الغرب. ب. الفصل السادس عشر (التاريخ البصري)، يتناول مسألة "الفهم التاريخي" كيف يقدم التاريخ وكيف يفهم في الحاضر. ولم يعد ذلك محصورًا بالنصوص الأكاديمية (الكتب والمقالات)، وإنما يتشكل من خلال وسائل الإعلام و التواصل الحديثة (الأفلام والصور الفوتغرافية وغيرها). بلاشك هذه الوسائل وأساليبها، سواءًا اتفقنا أم اختلفنا، تهيمن على الحياة العامة وتأثيرها أعمق من الكتب. هذه المهمة على الرغم من قوة تأثيرها، فإنها لا تخلو من قيود أو تحديات، وأبرزها: تعقيدات السياق التاريخي وتعدد الروايات وتداخل العوامل الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وكلها عناصر يسعى المؤرخ إلى تحليلها وتفكيكها بحذر؛ كما أن بناء الحبكة الدرامية تتعارض بطبيعتها مع منهجية المؤرخ العلمي. في هذا السياق، وفي مقالة "التاريخ في الصور/التاريخ في الكلمات: تأملات في إمكانية تمثيل التاريخ حقًا على الأفلام" يشير روبيرت روزنستون إلى أن التحدي الذي تطرحه السينما على التاريخ والذي تفرضه الثقافة البصرية على الثقافة المكتوبة يشبه "التحدي الذي شكلته الكتابة التاريخية على التقليد الشفهي، كما فعل هيرودوت وثوسيديدس مع رواة الحكايات التاريخية. فقبل هيرودوت، كانت الميثولوجيا [علم الأساطير] هي الوسيلة المقبولة لتفسير ماضي القبائل أو المدن أو الشعوب، وكانت كافية لتوفير عالم ذي معنى… وفي عالم مابعد الثقافة المكتوبة [أي هذا العصر] قد تعيد الثقافة البصرية تشكيل علاقتنا بالماضي مرة أخرى". لتكوين تصور شامل حول ذلك، أنصح بقراءة المقال👇🏻 “History in Images/History in Words: Reflections on the Possibility of Really Putting History onto Film” by ROBERT A. ROSENSTONE ج. الفصل الحادي والعشرين (الأدب)، يكشف العلاقة بين التاريخ و الأدب باعتبارهما يقومان على السرد بوصفه أداة للمعرفة. فالمؤرخ يطالب بالتحقق و بالأرشيف والمنهج، في حين يغامر الأديب في مناطق الشعور والرموز بالخيال؛ جميعها تكشف التجربة الإنسانية. ومع بروز "التاريخانية الجديدة New Historicism" أدرك النقاد أن النصوص لا تقرأ في فراغ، وإنما في سياق ثقافي متشابك؛ وبالتالي تلاشت فكرة الحياد من خلال الإقرار بأن كل قراءة هي نتاج زمنها. حسب ما فهمت، قراءة هذا الفصل تقود إلى اعتقاد مفاده أن فهم الماضي لا يكتمل إلا حين ندمج بين الدقة التاريخية وخيال الأدب. د. أما الفصل الثالث والعشرين (الأرشيفات في عالم رقمي) فيبرز دور الأرشيفات وحدودها، موضحًا بأنها بناء اجتماعي وسياسي يشكل ويعاد تشكيله وفقًا للسلطة والهوية والذاكرة. ومع التحول الرقمي، تتسع امكانيات الوصول للوثائق، ولكن تتعاظم أيضًا مسؤولية المؤرخ في انتقاء ما يروى، بما يصون صدق المعرفة التاريخية. وفي المقدمة، يوضح المؤلفان هدفهما بأنه: "لا يرمي هذا الكتاب إلى إقناع أحد بأهمية التاريخ؛ إذ نفترض أن القارئ، سواءًا كان مؤرخًا مبتدئًا أم هاويًا متحمسًا، قد تبلورت لديه قناعة مسبقة وراسخة بقيمة هذا الحقل المعرفي [التاريخ]. وإنما نهدف من خلاله إلى تقديم مدخل يسير ومفهوم إلى بعض القضايا التي شغلت بال المؤرخين عبر العصور".






















