مجلة أنصار النبي ﷺ

4.1K posts

مجلة أنصار النبي ﷺ banner
مجلة أنصار النبي ﷺ

مجلة أنصار النبي ﷺ

@AnsarMagazine

مجلة شهرية تصدر عن الهيئة العالمية لأنصار النبي ﷺ

Katılım Mayıs 2022
6 Takip Edilen15.8K Takipçiler
مجلة أنصار النبي ﷺ
وقبل أن يعود محمد إلى المدينة، نشر الجزء الأكبر من جيشه في أنحاء جزيرة العرب، ليفرض الطاعة على جميع القبائل، سواء كان ذلك مثلما وقع في مكة أو كان عنوة، وكانت أوامره إلى قواده أن يكونوا مسالمين من مقال: فتح مكة بقلم: ألفونسو دي لامارتين - المستشرق والدبلوماسي والمؤرخ الفرنسي لقراءة المقال كاملًا: supportprophetm.com/nhhy @drassagheer @melhamy
مجلة أنصار النبي ﷺ tweet media
العربية
0
3
15
1.8K
مجلة أنصار النبي ﷺ
إن العالم العربي له أهمية كبيرة في خريطة العالم السياسية، وذلك لأنه وطن أمم لعبت أكبر دور في التاريخ الإنساني، ولأنه يحتضن منابع الثروة والقوة الكبرى: الذهب الأسود الذي هو دم الجسم الصناعي والحربي اليوم؛ ولأنه صلة بين أوربا وأمريكا، وبين الشرق الأقصى، ولأنه قلب العالم الإسلامي النابض يتجه إليه روحياً ودينياً ويدين بحبه وولائه من مقال: زعامة العالم العربي بقلم: العلامة أبو الحسن الندوي - رحمه الله لقراءة المقال كاملًا: supportprophetm.com/3muc @drassagheer @melhamy
مجلة أنصار النبي ﷺ tweet media
العربية
0
1
4
124
مجلة أنصار النبي ﷺ
خِلقَةُ ذاتِهِ الشريفةِ وأسماؤُه ﷺ أ.د. جمال بن عمار الأحمر الأنصاري سفير الهيئة العالمية لأنصار النبي ﷺ- الجزائر كلما قرأ المسلم عن رسوله الحبيب ﷺ ازداد حباً له إلى أن يغدو أحب إليه من نفسه وولده ووالديه وكل الناس! والأمر هنا ضَربةُ لازِبٍ في تحديدِ هوية هذا النبي الكريم، وهوية الأنبياء خطيرة، فقد صار أعداء الإسلام يركزون على العبث بهويات العلماء والحكام للإيقاع بين أتباع هذا الدين. نحن نتحدث عن هذا الرجل الذي بعثه الله تعالى على رأس أربعين سنة، فأقام بمكة عشر سنين، وبالمدينة عشر سنين، وتوفاه الله على رأس ستين سنة، وليس في رأسه ولحيته عشرون شعرة بيضاء. وفي بعض الروايات أنه أقام بمكة ثلاث عشرة وتُوفي ابن ثلاثة وستين وهذا هو الأشهر والأصح. أسماؤه ﷺ وأسماؤه هي: (محمد)، و(أحمد)، و(الماحي)، و(الحاشر)، و(العاقب)، و(نبي الرحمة)، و(نبي التوبة)، و(المقفِّي)، و(نبي الملاحم). هذا ما ثبت في الصحيح. وقال ابن دحية: “إذا فُحصَ عنها بلغتْ الثلاثَ مائة”. ذُكر النبي ﷺ في القرآن العظيم باسمه (محمد) في أربعة مواضع، وأما اسمه (أحمد) فقد جاء حكاية على لسان عيسى عليه السلام. كنيته: (أبو القاسم). طوله ﷺ كان رسول الله ﷺ رَبْعة [أي متوسطاً في الطول]، ليس بالطويل البائن ولا بالقصير. عن أنس بن مالك: كان رسول الله ﷺ ليس بالطويل البائن، ولا بالقصير، ولا بالأبيض الأمهق، ولا بالآدم، ولا بالجعد القَطط، ولا بالسَّبط. جسدُه ﷺ كان ﷺ حسَن الجسم، مَليحاً مُقَصَّداً [أي ليس بـِجَسيم ولا نَحيف]، رجُلا مربوعاً، بَعيدَ ما بين المنكبين [أي عريضَ أعلى الظَّهرِ]، ضخم الرأس، ضخم الكراديس [أي رؤوس العظام]، شَثْن الكفين والقدمين [أي غليظ الأصابع من الكفين والقدمين]، منهوس العَقِب [أي قليل لحم العقِب]. لون بشرته ﷺ كان ﷺ أبيض كأنما صِيغ من فِضة، أزهر اللون [أي بياض بشرته مُشرَب بِحُمرة]، ليس بالأبيض الأمهق [أي الشديد البياض]، ولا بالآدم [أي شديد السمرة]. رأسه ﷺ كان ﷺ ضخمَ الرأس. وسامة وجهه ﷺ كانَ وَجْهُهُ ﷺ مُسْتَدِيرًا مِثْل الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ، وهو أحسن من القمر في ليلة إضْحِيان [أي مضيئة مقمرة]. ضَليع الفم [أي كبيرَهُ]. عن أبي الطفيل رضي الله عنه -وكان آخر من مات من الصحابة- قال: رأيت رسول الله ﷺ وما على وجه الأرض رجل رآه غيري، رأيته أبيض مليح الوجه. عن البراء رضي الله عنه قال: "كان رسول الله ﷺ أحسن الناس وجهاً، وأحسنهم خَلقاً، ليس بالطويل البائن ولا بالقصير". وعن كعب بن مالك رضي الله عنه قال: "كان رسول الله ﷺ إذا سُرَّ استنار وجهه كأنه قطعة قمر". عيناه ﷺ كان أَشكَل العينين [أي طويل شق العينين]، أدعَجَهما [أي شديد سوادهما]، أَهْدبًا [أي طويل الأشفار]. شَعر رأسه ﷺ كان شعر رسول الله ﷺ أسمر اللون، وليس بالجَعْد القَطِطِ [أي شعره ذو التواء وانقباض] ولا بالسَّبِط [أي شعره مسترسل]. وكان رجِلاً [أي في شعره حُجُونة تَثَنٍّ قليل]، عظيم الجُمّة [أي شعر رأسه يضرب منكبَيه]. وتكون أحيانا له لِمَّة [أي شعر رأسه يجاوز شحمة الأذن]. ويكون شعره أحياناً أخرى بين أذنيه وعاتقه، أو بين أذنيه ومنكبيه. ومرة تكون له وَفْرة [أي شعر رأسه يغطي شحمة أذنيه، وهي أسفل الأذن]، وأخرى شعره فوق الجُمّة [أي الشعر النازل إلى المنكبين]، ودون الوفرة إلى أنصاف أذنيه. عن قتادة قال: قلت لأنسٍ: كيف كان شعر رسول الله ﷺ؟  قال: "لم يكن بالجعْد ولا بالسبط. كان يبلغ شعره شحمة أذنيه". عن أنس بن مالك قال: كان شعر رسول الله ﷺ إلى نصف أذنيه. عن عائشة قالت: كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد، وكان له شعر فوق الجُمَّة، ودون الوفرة. قال الحافظ العراقي: "وقد ورد في شعره ثلاثة أوصاف: جـمَّة، ووَفرة، ولـمَّة؛ فالوفرة: ما بلغ شحمة الأذن، واللمة: ما نزل عن شحمة الأذن، والجمة: ما نزل عن ذلك إلى المنكبين. وهذا قول جمهور أهل اللغة، وهو الذي ذكر صاحب المحكم، والنهاية، والمشارق، وغيرهم". شَعر جسده ﷺ كان أشعر، أجردا [أي لا يغطي الشعر صدره وبطنه]، طويل الـمَسْربة [أي له شعر دقيق كأنه قضيب، يبدأ من الصدر وينتهي عند السُّرَّة]. خاتم نبوته ﷺ في ظهره، بين كتفيه. وهو غُدة [أي قطعة لحمة] حمراء مثل بيضة الحمامة [أي: مُدوَّرةً] يُشبِه لونُها جسَده [أي: لَونَ سائرِ أَعضائِه]، أو مثل زِرِّ الحَجَلَة [أي: بيضة الحجلة في مقدارها أو في صورتها ولونها]، وهو بَضْعَة ناشِزَة [أي قطعة لحم ظاهرة مرتفعة] مثل الجُمْع [أي مثل هيئة جمع الكف بعد جمع الأصابع]، حولها خِيلان [جمع خال؛ وهو نقطة تضرب إلى السواد، تُسمى شامة]، كأنها ثآليل [جمع ثُؤْلُول: وهو خُرَّاج صغير كالحمصة يظهر على الجسد، له نُتُوء واستدارة]، ذات شعرات مجتمعات. عن السائب بن يزيد قال: ذهبتْ بي خالتي إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله، إن ابن أختي وجِع. فمسح رأسي ودعا لي بالبركة، وتوضأ فشربتُ من وَضوئه، وقمت خلف ظهره، فنظرتُ إلى الخاتم بين كتفيه، فإذا هو مثل زِرِّ الحجلة. عن جابر بن سمرة قال: رأيت الخاتم بين كتفي رسول الله ﷺ غُدَّة حمراء مثل بيضة الحمامة. عن علباء بن أحمر، قال حدثني أبو زيد عمرو بن أخطب الأنصاري قال: قال لي رسول الله ﷺ: "يا أبا يزيد، ادن مني فامسح ظهري!"، فمسحتُ ظهره، فوقعتْ أصابعي على الخاتم! قلت: وما الخاتم؟ قال: شعرات متجمعات. @drassagheer @melhamy @pr_ahmar
مجلة أنصار النبي ﷺ tweet media
العربية
0
0
2
211
مجلة أنصار النبي ﷺ
أدى التراجع العددي للمسلمين الهنود إلى تراجع تمثيلهم داخل الشركات، وانخفاض فرص صعودهم المهني، إضافة إلى تعرضهم لخطاب طائـ.ـفي متزايد ينعكس سلباً على بيئة العمل. كما يشكو العديد منهم من غياب شبكات الدعم الاجتماعي التي يتمتع بها زملاؤهم غير المسلمين من مقال: النفوذ الهندي عبر القوة العاملة بقلم: محمد بن إلياس الجامعي - باحث هندي لقراءة المقال كاملًا: supportprophetm.com/uw2v @drassagheer @melhamy
مجلة أنصار النبي ﷺ tweet media
العربية
0
5
16
2.4K
مجلة أنصار النبي ﷺ
كانَ وَجْهُهُ ﷺ مُسْتَدِيرًا مِثْل الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ، وهو أحسن من القمر في ليلة إضْحِيان [أي مضيئة مقمرة] عن أبي الطفيل رضي الله عنه -وكان آخر من مات من الصحابة- قال: رأيت رسول الله ﷺ وما على وجه الأرض رجل رآه غيري، رأيته أبيض مليح الوجه من مقال: خِلقَةُ ذاتِهِ الشريفةِ وأسماؤُه ﷺ بقلم:أ.د. جمال بن عمار الأحمر الأنصاري - سفير هيئة أنصار النبي ﷺ في الجزائر لقراءة المقال كاملًا: supportprophetm.com/plue @drassagheer @melhamy @PrJamalAlAhmar
مجلة أنصار النبي ﷺ tweet media
العربية
1
4
18
2.3K
مجلة أنصار النبي ﷺ
اسم الله اللطيف (2/2) الواقع السياسي العالمي عامة والغزي خاصة أنموذجًا محمد محمد الأسطل من علماء غزة المحور الثالث: طرفٌ من الألطاف الإلهية تسطر أن قدر الله مهما اشتد لا ينفك عن لطف، وهذا يعني أنَّ مشهد الشدة لا بد وأن يتخلله طرفٌ من اللطف الإلهي الفسيح، ولكن مشاعر الشدائد قد تحجب أحيانًا عن تأمل لطف الله عز وجل، وبأدنى تأمل يجد الإنسان من لطف الله الذي يغمر الشدائد ما يُخشِّع القلوب ويُركِّع الأفئدة إجلالًا لفضل الله ولطفه وتأييده. وهنا تمثيلٌ يسيرٌ لبعض مظاهر لطف الله التي تتخلل الشدائد على الساحة السياسية والعسكرية التي نعاني، ومن ذلك الأمور السبعة الآتية: أولًا: إن الأعداء قد تمكنوا بأدوات قوتهم من دراسة المجتمع الإسلامي ورصد الظواهر النفسية والاجتماعية فيه، وتشريح الجماعات الإسلامية وملاحظة الفروق المنهجية بينها، وتمدهم أجهزة الاستخبارات بأدق المعلومات عن الداخل الإسلامي، ورغم عشرات آلاف التقارير الدقيقة التي تصل إليهم إلا أنهم لا يحسنون فهم عقول هذه الأمة، ولا يعرفون كيف تفكر، فهم يدرسون ولكنهم لا يفهمون كثيرًا من الأمور؛ لأنَّ النظرة المادية والغطرسة النفسية إلى جوار حُجب أخرى كثيرة من حُجُب الرؤية تحجبهم عن رؤية المشهد كما هو. وهذا الذي يجعلهم متفاجئين دائمًا؛ فهم تفاجئوا من هجمات الحادي عشر من سبتمبر، وتفاجئوا من مقاومة الأفغان وكذا العراقيين، وتفاجئوا من هجوم السابع من أكتوبر، وتفاجئوا من ثبات أهل غزة على مدار سنتين طويلتين، وفي الساحة الدولية تفاجئوا من الصعود الروسي كما تفاجئوا من الصعود الصيني، وقائمة المفاجآت طويلة. ومن أسباب ذلك: أنهم يقرأون الأحداث قراءةَ قوةٍ مادية لا قراءةَ سُنَنٍ إلهية، فالأمريكان مثلًا حين غزوا أفغانستان ظنوا أنَّ إسقاط نظام حركة طالبان يعني إسقاط الأمة في روحها، وأنها المنطقة التي يُرعِبُون بها العالم، وإذ بها تستدرجهم في أودية الاستنزاف حتى صارت الولايات المتحدة نفسها هي العبرة لجميع العالمين، وصارت التجربة الأفغانية ذات حيوية للأمة لا قتلٍ لها. فالقوي يتملك ناصية القوة المادية ولكنه يهزم دائمًا أمام الضعيف لأنه لا يعرف أن يقرأه، وحين يهوي ينعكس المشهد لصالح الضعيف، ولهذا رأينا الجيش الأمريكي يفر حرفيًّا يوم الانسحاب من أفغانستان، وحين طالب ترامب برد بعض المُخلَّفات العسكرية من إحدى القواعد قال الأفغان متهكمين: "تعالَ خذها"، ولما هددهم بالغزو قالوا: نحن مستعدون للقتال عشرين سنة أخرى. والعدو الصهيوني لا يخرج عن ذلك؛ بل هو أشد دخولًا في القصور المنهجي لأنه مُسرفٌ في اعتبار المادية ميزانًا في التعامل، ولهذا يستطيع أن يضرب ويدمر ويبطش ولكنه لا يُحسن أن يفهم أهل البلد، بل لا يُحسن أن يدمج نفسه في قلوب أهل المنطقة إذ هو في قلب العالم العربي والإسلامي، وسياساته تفرض على شعوب المنطقة أن يبقوا في طلب الثأر. وأما الركض خلف التطبيع على مستوى الأنظمة فإنَّ أدنى الناس عقلًا يعلم أن هذا ليس سبيلًا صحيحًا للتمكن في المنطقة، فهم أغلقوا على أنفسهم كل الأبواب وأبقوا على معيارية القوة الصلبة فقط، وهذا يجعل بقاءهم منوطًا بموازين القوة المادية لا غير، وأي تحرك فيها يُغيِّر الخارطة كما هو معلوم. ثانيًا: إنَّ الله تعالى يهيِّئ الأرض لأمورٍ عظام، وجاءت النصوص تُبشِّر بخلافةٍ على منهاج النبوة في آخر الزمان عاصمتها بيت المقدس، ولئن كانت الأحداث التي تجري في المنطقة بما فيها معركة الطوفان من جملة الإرهاصات التي تبقى في تفاعل حتى نصل إلى هذه اللحظة في آمادٍ لا يعلمها إلا الله.. فإنَّ من ألطاف الله أن حدثًا محدودًا قد وجَّه أهل الأرض على مدار سنتين كاملتين ناحية بيت المقدس وأكناف بيت المقدس لتتشكل بذلك مركزيةٌ جديدةٌ في الأذهان. ومما لا يخفى أن غزة من ثغور الإسلام الكبار، وهي من جملة أكناف بيت المقدس، وبيت المقدس عاصمةٌ دينية لا سياسية، ولكن النصوص تبشر بأنها تصبح عاصمة سياسية بإذن الله تعالى، وهي اليوم تقوم بقدرٍ كبيرٍ من التأثير العالمي، فهي في حالةٍ يمكن وصفها بـ "الخلافة الاعتبارية"، وهو ما يزيد من المسؤولية على أهلها وعلى كلِّ سالكٍ في مدافعة العدو الصهيوني اليوم. وإن كان الأمر كذلك فهو من ألطاف الله الخفية، إذ يهيئ الأمور وفق ما يريد سبحانه، وعلى كلٍّ فإن البركة في أرض الرباط عالمية، وهو ما يجعل من علائم الفقه التفاعل مع سنن الله تعالى؛ إذ إن الأمور تجري بحسب السنن الجارية لا الخارقة. ومع ذلك فتتابع الأحداث بات متسارعًا؛ فبالأمس ظن العدو أنه أخمد المنطقة عبر إجهاض ثورات الربيع العربي، ولكن ما هي إلا سنوات حتى انسحبت الولايات المتحدة من أفغانستان وصعدت روسيا والصين على المشهد الدولي بقوة، وحصل حدث الطوفان بما أحدثه من زلزالٍ عالميٍّ كان من بركاته توفير السياق لانتصار الثورة السورية. فلا تنظر إلى ضراوة الأحداث ولكن إلى حركة القدر. ثالثًا: إنَّ قادة العدو وفي مقدمتهم نتنياهو وترامب قد يكونان الأكثر في هذه المرحلة تدميرًا وشرًّا ولكنهم في النهاية أدواتٌ في تنفيذ القدر، ولم يبلغ أحدٌ مبلغ فرعون الذي جعله الله تعالى أداة في تنفيذ القدر حتى إنه الذي ربَّى موسى عليه السلام في قصره حتى كان انتهاء ملكه والقضاء عليه على يديه. ومما يتسبب به هؤلاء القادة المجرمون أنهم يجبرون الأمة على دخول ساحة المعركة، وإن الاحتقان يزيد في الصدور يومًا بعد آخر حتى تتحول الصدور إلى براكين خامدة يمكن أن تثور في أيِّ لحظة، ولو احتكمنا للمصلحة الاستراتيجية لاتجه هؤلاء لسياسة تحييد غزة وتأليب الجميع عليها، ولكنهم يذهبون لإشعال كل الملفات في أكثر المناطق، حتى وصل الأمر بالنسبة للولايات المتحدة أن ترامب ينسحب شيئًا فشيئًا من اللُّحمة الأمريكية الأوروبية التي تُشَكِّل دول المركز، وهو ما يأخذ بها إلى التقهقر والتدهور وإن كان الشعار هو التقدم والتطور. وهذا إيذانٌ بأنَّ الأعداء وإن كانوا يمتلكون موازين القوة المادية إلا أنَّ الأمور لا يلزم أن تسير بحسب دراساتهم وطموحاتهم، وغباءُ الأقوياء من رزقِ الضعفاء، وهذا من لطف الله بعباده المستضعفين ومن إيصاله الرحمة لهم بالطرق الخفية التي لا يشعرون بها. ومن أشهر الأمثلة القرآنية على ذلك ما قصَّه الله تعالى علينا من خبر نبيه وعبده يوسف عليه السلام؛ فإنه مدرسةٌ كاملةٌ وشاهدٌ كريمٌ لآثار اسم الله اللطيف على صعيد الفرد والبلد والسياسة والحكم. إن إخوة يوسف كثر، وإنهم يمتلكون القوة وقد تمكنوا من إلقاء يوسف في الجب حيث كان طفلًا لا يملك من أمره شيئًا، وألقوه ظانين أنهم قد تخلصوا منه، ولكن الله أنجاه من كيدهم، وابتلاه الله بالعبودية لتكون الجسر الذي يصل به إلى القصر ومن ثم ينفتح ذهنه على الإدارة والسياسة ولغة القصور، ليكون ذلك توطئةً لحكم خزائن مصر. فاللطيف سبحانه لا يحبط كيد الأعداء فقط؛ بل يُحَوِّلُ ذلك إلى سُلَّمِ صعود. ثم إنه دخل السجن، وكان مدرسةَ دعوةٍ وتصفيةٍ بين يدي المُلك، لقد كان اللطف في تأخير الفرج، سنوات تمر والرؤيا لم تتحقق، والأب يبكي والابن يعاني ويصبر، ولكن الله بفضله جعل السلطة تحتاج إلى يوسف لا أن يوسف يحتاج إلى السلطة ويقف بالأبواب. وبعد أن انتقل من الجب إلى القصر ثم من السجن إلى الوزارة استحضر يوسف عليه السلام اسم الله اللطيف وهو يتأمل قصته الممتدة التي ما قرأها أحدٌ إلا واقتات على ما فيها من الأمل العظيم وقال عليه السلام: ﴿إِنَّ رَبِّي لَطِيفٞ لِّمَا يَشَآءُۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡعَلِيمُ ٱلۡحَكِيمُ﴾ [يوسف: 100]، ومشيئة الله لا تُمانع ولا تُغالب، ولكنها تكون وفق سننه ومن ثم تتكامل الشريعة ولا تتنافر. وهكذا يظهر لطف الله تعالى في تقليب الموازين ليكون ما يراه الناس من كوارث وانكسارات في باطنه إعدادًا دقيقًا وتدبيرًا رفيقًا لا تلتقطه الأبصار الغافلة أو المشغولة. إنَّ اللطيف سبحانه لا يلزم أن يهزم الجبابرة دفعة واحدة؛ بل يمكن أن ينسج خيوط الوهن من حولهم حتى يسقطوا من دواخلهم، فإذا حانت ساعتهم قصمهم الله بعد رفعةٍ مؤقتةٍ وكُسِروا كسرًا لا جبر له، ولهذا خاطب الله نبيه ﷺ ألا يتعجل هلاك قومه وأنزل إليه يقول: ﴿فَلَا تَعۡجَلۡ عَلَيۡهِمۡۖ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمۡ عَدًّا﴾ [مريم: 84]، وفي نفس الاتجاه قوله سبحانه: ﴿سَأُوْرِيكُمۡ ءَايَٰتِي فَلَا تَسۡتَعۡجِلُونِ﴾ [الأنبياء: 37]، فنحن في أحداث مشهدٍ لم يكتمل بعد. رابعًا: إنَّ المنن تتخلل المحن، وهذا من ألطاف الله بعباده وهو يصنعهم في الميدان، اقرأ في هذا المعنى قوله سبحانه: ﴿ٱذۡهَبۡ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ إِنَّهُۥ طَغَىٰ * قَالَ رَبِّ ٱشۡرَحۡ لِي صَدۡرِي * وَيَسِّرۡ لِيٓ أَمۡرِي * وَٱحۡلُلۡ عُقۡدَةً مِّن لِّسَانِي * يَفۡقَهُواْ قَوۡلِي * وَٱجۡعَل لِّي وَزِيرًا مِّنۡ أَهۡلِي * هَٰرُونَ أَخِي * ٱشۡدُدۡ بِهِۦٓ أَزۡرِي * وَأَشۡرِكۡهُ فِيٓ أَمۡرِي * كَيۡ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا * وَنَذۡكُرَكَ كَثِيرًا * إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيرًا * قَالَ قَدۡ أُوتِيتَ سُؤۡلَكَ يَٰمُوسَىٰ * وَلَقَدۡ مَنَنَّا عَلَيۡكَ مَرَّةً أُخۡرَىٰٓ * إِذۡ أَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰٓ أُمِّكَ مَا يُوحَىٰٓ * أَنِ ٱقۡذِفِيهِ فِي ٱلتَّابُوتِ فَٱقۡذِفِيهِ فِي ٱلۡيَمِّ فَلۡيُلۡقِهِ ٱلۡيَمُّ بِٱلسَّاحِلِ يَأۡخُذۡهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُۥۚ وَأَلۡقَيۡتُ عَلَيۡكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصۡنَعَ عَلَىٰ عَيۡنِيٓ * إِذۡ تَمۡشِيٓ أُخۡتُكَ فَتَقُولُ هَلۡ أَدُلُّكُمۡ عَلَىٰ مَن يَكۡفُلُهُۥۖ فَرَجَعۡنَٰكَ إِلَىٰٓ أُمِّكَ كَيۡ تَقَرَّ عَيۡنُهَا وَلَا تَحۡزَنَۚ وَقَتَلۡتَ نَفۡسًا فَنَجَّيۡنَٰكَ مِنَ ٱلۡغَمِّ وَفَتَنَّٰكَ فُتُونًا فَلَبِثۡتَ سِنِينَ فِيٓ أَهۡلِ مَدۡيَنَ ثُمَّ جِئۡتَ عَلَىٰ قَدَرٍ يَٰمُوسَىٰ * وَٱصۡطَنَعۡتُكَ لِنَفۡسِي﴾ [طه: 24-41]. فهنا يطلب نبي الله موسى عليه السلام من ربه بضعة أدعية والله يبشره بالإجابة ويذكر له بضع مننٍ أعطاها له دون سؤال، ولكن الشيء المدهش أن الله سبحانه عدَّ قائمة أشهر الابتلاءات التي مرت بموسى عليه السلام لتكون هي قائمة المنن؛ إذ إنَّ ما مرَّ به هو مشهدٌ مركبٌ من الابتلاء والعطاء، فالعين الدنيوية تلحظ جانب الابتلاء والعين الأخروية تلحظ جانب العطاء. فالله تعالى ذكر قَذْفَه في التابوت ثم قذفه في اليم ووقوعه بين يدي فرعون جزءًا من المنن، وقال: ﴿ولتُصنع على عيني﴾، فهي صناعةٌ كريمةٌ في الميدان، ثم ذكر قتله للنفس وما نزل به من الفُتُون واغترابه في مدين عشر سنين جزءًا كذلك من المنن وقال بعدها: ﴿واصطنعتك لنفسي﴾! إن نبي الله موسى عليه السلام كلم الله تعالى كفاحًا وأخذ الكتاب في الطور ومع ذلك كان الصناعة الإلهية له في الميدان، فالابتلاء يصنع الأقوياء، وعلى هذا فما ينزل بالناس من شدائد يظنون أنها فوق طاقتهم هي التي تصنعهم، ومن كان يخطر بباله من مقاتلي القسام وسرايا القدس وغيرهم أنهم يقاتلون العدو في أرض الميدان على مدار سنتين قتالًا مباشرًا، بعد أن دخل العدو كل شبرٍ في غزة! إنَّ المجاهدين الآن وهم يعلمون خطر العدو وضراوة المعارك قد أوتوا قدرًا كبيرًا من الخبرة ومواجهة الأمور العظام، وهو ما يعني أن غزة تعد إعدادًا أسطوريًّا لا بمجرد الدروس والمحاضرات والرسائل والكتابات ولكن بالزلزال الذي نزل بهم. إنَّ اللطيف يربي الأمم بجراحها، ويقصم الإمبراطوريات بغطرستها وأخطائها. إنَّ من لطف الله تعالى أن تقودك الشدائد إلى مصيرٍ عظيمٍ عبر طرقٍ وعرةٍ لا تدرك حكمتها إلا بعد زمنٍ طويل. خامسًا: إنَّ من ألطاف الله بأهل البلد ذلكم الثبات العجيب الذي أظهره الناس على مدار سنتين طويلتين قاسيتين، ولو قيل لأي شخص مطلع الحرب: إنك تصبر سنةً على هذه الزلازل لما صدق، وقد كان الناس لا يحتملون أن يقال لهم: بقي شهر واحد، ولكن الله ثبَّت وهدى ووفق وأعان. ألا شكر الله لكل من شارك في هذه الملحمة العالمية الباسلة، من داخل البلد أو خارجه. ألا شكر الله لكل مجاهد وأمنيٍّ وعالم وداعيةٍ ومُحرِّض وإعلامي ومنفق وطبيب ومسعف وإغاثي ومصلح وعامل في أي مسلك فطن له الناس أو لم يفطنوا. ألا شكر الله لكل من سكن الأرض المباركة وتحمل لأواءها، وإنه على قدر الاصطفاء يكون الابتلاء، وقتيل هذه الأرض شهيد، وميتها على الفراش مرابطٌ حسنته بألف حسنة بمجرد مقامه على هذه الأرض وتحمله لشدائدها إذا صحت منه النية وشارك في الثغور بما تيسر له من وجوه العمل أو الإسناد. سادسًا: إنَّ من ألطاف الله تعالى أن يسوق الرزق إلى عباده وهم في أحلك الظروف، وإذا يسَّر الله مقامًا آخر ذكرت من ذلك من عجائب ما رأينا في ميدان المعركة من رزق الله لعباده المجاهدين وعموم أهل البلد. ولكني أختار من ذلك الأمر الأخطر الذي يعتمد عليه أهل البلد اعتمادًا كبيرًا ألا وهو المتفجرات؛ فإنَّ المعبر مغلق ولا بد من المواد المتفجرة لصناعة العبوات والقذائف التي تُبقي مدافعة العدو عند المداهمة قائمة، وقد انتهى مخزون المقاومة من ذلك أو قارب، ويستحيل أن يحصل التهريب بأيِّ طريقٍ كان. وهنا يتفضل الله على عباده المؤمنين فيمدهم بأرزاقهم من صواريخ أعدائهم، فعشرات الصواريخ التي يزن بعضها طنًّا من المتفجرات كانت تنزل دون أن تنفجر، فينجو المستهدف ويقتات المجاهدون على ما فيها من المواد المتفجرة ويصنعون عشرات العبوات ومئات القذائف حتى بات لدى المقاومة مخزون ضخم من هذا الرزق الذي يطلقه الأعداء. إنَّ هذا من جملة أرزاق الطريق التي تأتي لمن سعى وعمل. وقبل بضع سنوات حين أقفل باب التهريب وأغلق النظام المصري كل سبيلٍ لإدخال المواد المتفجرة يسَّر الله للمجاهدين كشف السفينتين البريطانيتين اللتين غرقتا في بحر غزة مقابل منطقة دير البلح حين هاجمتا قوات الخلافة العثمانية حامية البلد، وتمكن جيش الخلافة يومئذ من هزيمة الإنجليز في معركة غزة الأولى وذلك بتاريخ 26-3-1917م. فالأبواب لا تغلق، وحين تغلق يفتح الله لعباده الساعين ما يتفلتون به من المآزق والمضايق، والعبد يجد هذا في نفسه؛ فحين تضيق الأمور يوسعها الله بلطفه وإحسانه سبحانه، فلكل شدة مدة وقد جعل الله لكلِّ شيءٍ قدرًا. سابعًا: من ألطاف الله تعالى أنه يسوق عباده إليه عبر أفعال أعدائه؛ فكم من إنسان ما عرف نفسه ولا ازداد قربًا من ربه إلا في أجواء الحرب، ولئن اهتز إيمان قوم فقد قوي إيمان كثيرين. وترى الشهيد يقضي نحبه فتكون له بركة على أهله ومحبيه ويكثر فيهم فعل الصالحات من صلاةٍ وصيامٍ وتلاوةٍ وصدقة وغير ذلك من ألوان البر وصنائع المعروف. فالمصيبة مصيبةٌ حين أصابتك، وفيها من لطف الله ما يجعلها نعمةً إذ هي التي رسمت المسار وأعانت على المسير. المحور الرابع: كلمةٌ بخصوص الواقع السياسي المحلي أختم المقال بكلمةٍ بخصوص الواقع السياسي الذي نعيشه الآن في هذه الفترة الضبابية فأقول: إنَّ الغموضَ وإن كان يتطلب دفعه إلا أنه في النهاية مرحلة انتقال لا ضياع، وإنَّ الضباب لا يستلزم التيه بل شدة التركيز، وواجب الوقت أن يتسلح قادة البلد بتقوى الله تعالى والاستعانة به والافتقار إليه، وأن يديروا المرحلة على قواعد الدهاء السياسي؛ إذ إنَّ الحرب في حقيقتها لم تنته بعد، ولكن تحول صخبها من الميدان العسكري إلى الميدان السياسي. ولا يجوز لقادة البلد أن يسارعوا في إلقاء اوراقهم؛ بل الواجب أن يُنازِلُوا العدو حتى يكون تحصله على أي مكتسب في وقتٍ طويل، والقوي مهما اشتد بطشه فإن مساحةً جيدةً تبقى أمام الضعيف يحسن أن يناور فيها. وإن أي مناورة لا ينبغي أن تخرج عن قاعدة الثبات على المبادئ، والثبات هو الذي يُحيِّر الأعداء ويفرض المعادلات ويصنع التحولات، وهذه المرحلة نحن بحاجةٍ فيها إلى يقظةٍ شديدة وصبر على تكاليف المدافعة، ولا يكفي فيها انتظار فعل القادة؛ بل كل شخص لا بد أن يُجَنِّدَ نفسه بما يستطيع، ولا يزال الله يغرس في هذا الدين غرسًا يستعملهم في طاعته. وصفوة القول: إننا في جولةٍ جديدةٍ من المدافعة، وينبغي أن نُحسن المنازلة فيها مع التزود باليقين والأمل بما يورث الشعور بالمسؤولية ويدفع للعمل، وإنَّ النظام الدولي مهما اشتد بطشه إلا أنه يعاني من قصورٍ منهجي يجعل للضعيف مسالك ينفذ منها لما يريد، ومتى توفر العزم والاتزان النفسي تيسر للعبد أن ينازل الكبار حتى يكسرهم، ﴿كَم ‌مِّن ‌فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتۡ فِئَةً كَثِيرَةَۢ بِإِذۡنِ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ﴾ [البقرة: 249]. والحمد لله رب العالمين. @drassagheer @melhamy
مجلة أنصار النبي ﷺ tweet media
العربية
0
13
27
2.8K
مجلة أنصار النبي ﷺ
الغرزة الأخيرة في ثوب التيه باتريس جوامايا دولة بِنين اسمي "باتريس"، وفي أزقة مدينة "كوتونو" المزدحمة في بنين، يعرفني الجميع بلقب "الأصابع الذهبية”. ورشتي الصغيرة تقع في زاوية منسية من حي "غودوميه"، حيث تختلط روائح التوابل المنبعثة من الأسواق المجاورة برائحة وقود الدراجات النارية التي تملأ الأجواء صخباً. حياتي، تماماً كأقمشة "الأنكارا" التي أقصها يومياً، كانت مليئة بالألوان الزاهية من الخارج، لكنها مهترئة ومنسوجة بخيوط واهية من الداخل. عشت أربعين عاماً في بنين، هذا البلد الذي تتعايش فيه المعتقدات بشكل غريب. كنت أرى جيراني يذبحون القرابين للأرواح في الغابات، وأرى آخرين يرتادون الكنائس يوم الأحد، وكنت أنا عالقاً في منطقة رمادية. عائلتي كانت مسيحية بالاسم، لكن ممارساتنا كانت خليطاً من الخوف من السحر والتقديس الأعمى لرجال الدين. كنت أشعر أن الدين بالنسبة لنا هو "ستار" نرتديه في المناسبات ليخفي عيوب أرواحنا، وليس منهجاً للحياة. في ورشتي، كنت أقضي ما يزيد عن اثنتي عشرة ساعة يومياً. مهنتي كخياط تتطلب دقة وتركيز؛ فغرزة واحدة خاطئة قد تفسد ثوباً كلف صاحبه مدخرات شهر. كنت بارعاً في إصلاح عيوب أجساد الزبائن عبر التصاميم الذكية، لكنني كنت أفشل يومياً في رتق الثقوب التي تتسع في روحي. كنت أشعر بعبثية مفرطة؛ لماذا نحن هنا؟ هل نعيش لنأكل ونخيط ونموت؟ وماذا بعد أن أرحل من هذه الدنيا؟ هل سأواجه الخالق الذي يصورونه لنا ككيان غامض لا يمكن الوصول إليه إلا عبر وسطاء يدفع لهم المال؟ كان نمط معيشتي يعاني من فوضى داخلية. بالرغم من نجاحي المهني، كنت مدمناً على القلق. كنت أهرب من تساؤلاتي النفسية بالانخراط في صخب الحفلات المحلية في "كوتونو"، حيث الموسيقى الصاخبة التي تصم الآذان عن سماع صوت الضمير. كنت أعود لبيتي في ساعة متأخرة، أنظر إلى المرآة وأرى رجلاً غريباً لا يشبهني. في إحدى ليالي شهر سبتمبر الماضي، كانت "كوتونو" تغرق في أمطارها الموسمية الغزيرة. توقفت حركة السير، وانقطع التيار الكهربائي عن أجزاء واسعة من الحي، فلجأتُ إلى المصباح اليدوي وهاتفي المحمول لأقتل الوقت بانتظار هدوء العاصفة. كنت أتصفح "فيسبوك" حين ظهر لي منشور من صفحة تسمى "بصيرة”. المنشور لم يكن يحمل صوراً لرجال دين بملابس رسمية، بل كان يحمل صورة معبرة، ومكتوباً عليها باللغة الفرنسية: "الله"، "كل شيء في هذا الكون له صانع، فما بالك بحياتك؟ هل تعتقد أنها خُلقت عبثاً بلا ناظم؟”. تملكتني الدهشة، دخلت إلى الصفحة وبدأت أقرأ. وجدت منشورات تتحدث عن "وحدانية الخالق" بأسلوب عقلي رصين، ينفي الحاجة للتماثيل والقرابين والوسطاء. وجدت كلاماً عن الإسلام يصفه بأنه "دين الفطرة"، أي الشيء الذي يعرفه القلب بالفطرة دون تعقيد. باندفاع لم أعهده في نفسي، ضغطت على زر المراسلة. كتبت له: "أنا خياط من كوتونو، مهنتي قائمة على النظام، لكن حياتي فوضى. هل الإسلام يقدم نظاماً للإنسان أم مجرد طقوس؟”. لم يتأخر الرد. بدأ "المحاور" معي حواراً امتد لعدة ساعات في تلك الليلة الماطرة. لم يكن يملي عليّ أوامر، بل كان يسألني ليجعلني أكتشف الحقيقة بنفسي. قال لي: "يا باتريس، أنت تخيط القماش ليكون جميلاً، أليس كذلك؟ الإسلام هو الخياطة الإلهية للروح، إنه يضع كل خلق في مكانه، ويربط العبد بخالقه مباشرة في علاقة لا تحتاج إلى "خياط" بشري بينهما”. سألتُه عن أصعب نقطة كانت تؤرقني: "لماذا الإسلام؟ ولماذا لا أكتفي بما ورثته عن آبائي؟”. أجابني المحاور بمنطق مذهل: "إن كنت تسلم جسدك لأفضل الأطباء عند المرض، ألا تسلم روحك للمنهج الذي وضعه صانع هذه الروح؟ إن ما ورثته هو ثوب قديم ضاق على عقلك، والإسلام هو الثوب الفضفاض الذي يسع الحقيقة كلها. الإسلام لا يلغي عيسى عليه السلام، بل يضعه في مقامه الصحيح كنبي كريم، ويتمم الرسالة بمحمد ﷺ”. تحدثنا عن "مفهوم العبادة”. أوضح لي أنني حين أخيط بأمانة، وحين أصدق مع الزبون، وحين أطعم الفقير، فأنا في عبادة. كان هذا المفهوم ثورياً بالنسبة لي؛ فالدين لم يعد محصوراً في يوم واحد في الأسبوع أو في مبنى معين، بل أصبح هواءً أتنفسه في ورشتي. كان المحاور يرسل لي مقاطع مترجمة من القرآن. حين قرأت قوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: 16]، شعرت بقشعريرة هزت جسدي. كنت أبحث عن الله في الغابات وفي المباني الفخمة، بينما هو أقرب إليّ من دمي الذي يجري في عروقي. عندما اقترب الفجر، وكانت الأمطار قد هدأت وبدأ صوت ديَكة الحي يعلن عن نهار جديد، شعرت أنني أمام لحظة فاصلة. لم يعد هناك مجال للتراجع. لقد انكشف الغطاء عن عيني. سألتُ المحاور: "كيف يمكنني أن ألبس هذا الثوب الجديد؟ كيف أدخل الإسلام الآن؟”. قال لي: "الأمر يسير جداً، الله مطلع على قلبك. قل: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله”. بصوت مرتجف في سكون الليل، ونبرة ملؤها اليقين، نطقت بالشهادتين. في تلك اللحظة، شعرت وكأن حملاً ثقيلاً من الرصاص قد نُزع عن كاهلي. شعرت بخفة غريبة، وبأن كل أسئلتي القلقة قد وجدت أجوبتها في هاتين الجملتين. لقد أصبحت مسلماً في تلك الليلة، داخل ورشتي التي شهدت سنوات حيرتي وتيهي. تغيير "باتريس" لم يكن مجرد تغيير اسم أو كلمات. لقد بدأ التحول من سلوكي اليومي. أول شيء فعلته هو تنظيف ورشتي من كل ما لا يليق بإيماني الجديد. خصصت مكاناً صغيراً ونظيفاً في الزاوية، فرشت فيه قطعة قماش طاهرة، لتكون مصلاي الدائم. بيئتي الاجتماعية في "كوتونو" شعرت بالفرق. لم أعد الشخص الذي يغضب بسرعة إذا تأخر الزبون، ولم أعد أرتاد تلك الحفلات الصاخبة التي كانت تستنزف طاقتي ومالي. أصبحتُ أستيقظ لصلاة الفجر، أبدأ يومي بذكر الله، ثم أشرع في عملي ببركة لم أعهدها. زبائني لاحظوا أنني صرت أكثر أمانة؛ فإذا كان هناك عيب بسيط في القماش، أخبرهم به فوراً ولا أخفيه كما كنت أفعل سابقاً. أهلي وجيراني في البداية استغربوا، بعضهم سخر مني، لكن هدوئي وثباتي جعلهم يحترمون خياري. أدركتُ أن الإسلام جعلني "خياطاً" أفضل، وإنساناً أرقى. لم تعد حياتي فوضوية؛ فمواعيد الصلاة الخمسة نظمت وقتي، والقرآن الذي بدأت أتعلم قراءته نظم تفكيري. أنا اليوم، بفضل ذلك المنشور العابر من "مشروع بصيرة"، لم أعد أبحث عن السعادة في الهروب، بل وجدتها في الاستسلام لله. كلما أمسكتُ بإبرتي الآن، أتذكر أن لكل شيء تقديراً، وأن الله الذي هداني من فوق سبع سماوات، هو وحده المستحق للعبادة. لقد خيطتُ أخيراً ثوب يقيني، وهو ثوب لن يبلى أبداً. أسأل الله أن يعينني على تعلم تعاليم الإسلام وحفظ كتابه الكريم. اللهم آمين. @drassagheer @melhamy @imat2022
مجلة أنصار النبي ﷺ tweet media
العربية
3
18
53
4.2K
مجلة أنصار النبي ﷺ
وما هو بالهزل بقلم: أحمد هاني - طالب بكلية الطب ﴿مَثَلُ ٱلَّذِینَ حُمِّلُوا۟ ٱلتَّوۡرَىٰةَ ثُمَّ لَمۡ یَحۡمِلُوهَا كَمَثَلِ ٱلۡحِمَارِ یَحۡمِلُ أَسۡفَارَۢاۚ﴾ [الجمعة: 5]. لا ريب أن أكثرنا يحفظ هذه الآية التي نزلت في بني إسرائيل، ولاريب أيضاً أن الدهشة تأخذ أصحاب الذوق منا من روعة هذا التشبيه؛ إذ تخيل معي لو أن حماراً يحمل أسفار علم هل يَنتفع بها؟! الجواب الأكيد أن: لا. ولكن تخيل معي أيضا أننا نشرنا هذه الأسفار أمام الحمار هل ينتفع بها ؟! الجواب الأكيد أيضا أن: لا. فهكذا صور الله هذه الفئة من اليهود، بأنهم كالحمير يحملون أسفاراً لا ينتفعون بها ولا يعملون بها، وأنه حتى لو نُشرت أمامهم هذه الأسفار بالعلم الذي تحتويه ما انتفعوا بها كذلك. فنعوذ بالله من قسوة القلب! واعلم أن قصص بني إسرائيل في القرآن الكريم، لم تُذكر على سبيل التكرار العبثي فقط، حاشا كلام الله أن يعتريه الخلل، وإنما ذُكرت لأن بني إسرائيل هم المثال العملي لأمة حملت الرسالة فلم تحملها حق حملها فنكبها الله عز وجل ولعنهم. وبالتالي فإن أمة محمد حينما تقرأ هذه القصص لابد وأن تقرأها قراءة المتعظ المعتبر، الخائف أن يقع في أخطاء بني إسرائيل فتكون عاقبته كعاقبتهم! ولا أجد في كتاب الله عز وجل دليلاً جلياً على ذلك أكثر من قوله تعالى: ﴿أَمۡ تُرِیدُونَ أَن تَسۡـَٔلُوا۟ رَسُولَكُمۡ كَمَا سُىِٕلَ مُوسَىٰ مِن قَبۡلُۗ وَمَن یَتَبَدَّلِ ٱلۡكُفۡرَ بِٱلۡإِیمَـٰنِ فَقَدۡ ضَلَّ سَوَاۤءَ ٱلسَّبِیلِ﴾ [البقرة: ١٠٨]. فهنا وعظ الله عز وجل المؤمنين بأن ذكر لهم خطأ بني إسرائيل مع نبيهم موسى ورفضهم الخضوع والامتثال لأمر الله، لكي يعتبر المؤمنون ولا يرتكبوا نفس هذا الخطأ الذي كان سبباً في هلاك من قبلهم. وبعد أن ثبتنا هذه القاعدة، ينبغي أن نعود إلى الآية التي ذكرناها في بداية حديثنا التي تحدثت عن عدم حمل بني إسرائيل لكتابهم. وأن ننظر إلى أنفسنا وقد أكرمنا الله بالكتاب المهيمن على كل الكتب السابقة ألا وهو "القرآن الكريم". فننظر هل حملناه حق حمله؟! أم وقعنا في خطأ بني إسرائيل وبالتالي نكبنا الله عز وجل. ما هو القرآن؟! القرآن دستور هذه الأمة، الذي جاء لتنظيم حياتها مجتمعة وحياة كل فرد فيها. الذي يشتمل على أحكام كثيرة في أمور الدنيا وأحكام كثيرة في أمور الآخرة، هو الدستور الوحيد الذي لا يعتريه نقص بشري ولا خلل بنيوي ولا احتمال تغيير مستقبلي. لأن الله تعالى قال عنه: ﴿ وَإِنَّهُۥ لَكِتَـٰبٌ عَزِیزࣱ * لَّا یَأۡتِیهِ ٱلۡبَـٰطِلُ مِنۢ بَیۡنِ یَدَیۡهِ وَلَا مِنۡ خَلۡفِهِۦۖ تَنزِیلࣱ مِّنۡ حَكِیمٍ حَمِیدࣲ﴾ [فصلت: ٤١-٤٢]. هو المرجعية العليا التي أتت لتهيمن على العالم لتصلحه وتعيد توجيه بوصلته إلى الطريق القويم والصراط المستقيم. فقال تعالى: ﴿وَأَنزَلۡنَاۤ إِلَیۡكَ ٱلۡكِتَـٰبَ بِٱلۡحَقِّ مُصَدِّقࣰا لِّمَا بَیۡنَ یَدَیۡهِ مِنَ ٱلۡكِتَـٰبِ وَمُهَیۡمِنًا عَلَیۡهِۖ فَٱحۡكُم بَیۡنَهُم بِمَاۤ أَنزَلَ ٱللَّهُۖ﴾ [المائدة: ٤٨]. ووصف كل ما يحكم به غيرها بالطاغوت، ووصف من ادعوا الإيمان ثم رفضوا حكم الله وتحاكموا إلى الطاغوت بأنهم كاذبون في زعمهم هذا، فقال تعالى جده: ﴿أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِینَ یَزۡعُمُونَ أَنَّهُمۡ ءَامَنُوا۟ بِمَاۤ أُنزِلَ إِلَیۡكَ وَمَاۤ أُنزِلَ مِن قَبۡلِكَ یُرِیدُونَ أَن یَتَحَاكَمُوۤا۟ إِلَى ٱلطَّـٰغُوتِ وَقَدۡ أُمِرُوۤا۟ أَن یَكۡفُرُوا۟ بِهِۦۖ وَیُرِیدُ ٱلشَّیۡطَـٰنُ أَن یُضِلَّهُمۡ ضَلَـٰلَۢا بَعِیدࣰا﴾ [النساء: ٦٠]. ما هو القرآن؟! القرآن منهج حياة! عقيدة تحررية أتت لتحرر البشر من كل طاغوت وكل عبودية لغير الله، ولا فرق في العبودية بين من يسجد لصنم وبين من يتحاكم إلى قوانين وضعها متنفذون جبابرة في لحظات انتصارهم وسيطروا بها على الناس. القرآن حقيقة تضبط التصور، وشريعة تنظم الحياة، وميزان يزن به المسلم كل فكرة. القرآن كتاب عزيز، ممتنع عن النقص والتحريف، ولا يأتيه الباطل لا في أحكامه ولا في قصصه ولا في وعده ولا في وعيده. فأي دستور بشري يمكن أن يدعي هذا أو أن يزعم أنه ممتنع عن النقص والتحيز والتبديل؟! ما هو القرآن؟! القرآن كتاب مهيمن، والهيمنة هي العلو والسيطرة والحاكمية، فالقرآن ليس تابعاً لحضارة، ولا خاضعاً لثقافة، ولا يحتاج إلى "تجديد الخطاب الديني" ليتوافق مع العصر الحديث! بل هو من يحاكم العصر وهو الذي يقاوم الحضارات وهو الذي يزن الأفكار! ما هو القرآن؟! القرآن تغيير وثورة! ثورة على الظلم والكفر والطغيان والعبودية والعادات والتقاليد الفاسدة والأخلاق المنحطة. القرآن لم يأت ليتعايش مع الواقع، القرآن جاء ليغير الواقع! ما هو القرآن؟! القرآن هو الذي قال عنه العربي البسيط: "إن ما جئت به يا أخا العرب مما تكرهه الملوك"! القرآن هو الذي عندما سمعه العربي البسيط قال: "خلوا بين هذا الرجل وما هو فيه، فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم، وإن يظهر على العرب فعِزه عزكم ومُلكه ملككم وكنتم أسعد الناس به". سمع العربي القرآن مرة فعرف أنه سيكون قتال وقتل ضد أصحاب هذا الكتاب! ولتزاحم المعاني والأوصاف على ذهني فأنا مهما حاولت أن أصف هذا الكتاب، لن أوفيه حقه، ولن يستطيع أحد أن يتحدث عن هذه النعمة العظيمة التي أنعم الله بها على البشرية وهي "القرآن الكريم" ويعطيها حقها من الوصف والتعريف دون نقص أو زيادة. ولعل هذا من بركة وعزة هذا الكتاب المجيد. فهل حملنا هذا الكتاب حق حمله؟! هل اتخذناه مرجعية ودستوراً أم اتخذناه "كتميمة" توضع في حقيبة السيارة وفوق مكتب العمل؟! هل قرأناه لنتعلم ونتدبر ثم نعمل؟! أم قرأناه لنتلذذ بعذوبة أصواتنا وقوة حناجرنا؟! هل حفظناه عملاً وحكماً؟! أم حفظناه أسفاراً تُتلى ثم مضينا نخالفه في كل صغيرة وكبيرة ودقيقة وجليلة؟! إنه وبعد مائة عام -وإن شئت فقل أكثر- مُسخ معنى القرآن في عقول أكثرية الأمة، فأصبحنا نحرص على حفظ القرآن ولكننا لا نعمل به، بل إنك ترى بعض الحفظة لهذا الكتاب يحوي في عقله وقلبه أفكاراً مناقضة لهذا الكتاب -الذي يحفظه- جملةً وتفصيلاً. فلم يعد معنى حملة القرآن هو الذي عهدناه في السيرة وفي القرون الخالية، لما قال الناس لسالم مولى أبي حذيفة -وقد كان من حفظة القرآن-: "لا نُؤتينّ من قِبلك!" فردّ عليهم قائلاً: "بئس حامل القرآن أنا إن أُوتيتم من قِبلي". وأصبح حملة -أو قل حفظة- القرآن زينة يتزين بها الطغاة في محافلهم ومجالسهم، ليقنعوا بها شعوبهم أنهم لا يعادون الدين. بينما ترى أولئك الطغاة لا يتركون صغيرة ولا كبيرة نهى عنها هذا القرآن إلا أتوها. ولا صغيرة ولا كبيرة أمر بها هذا القرآن إلا خالفوها. بل إن القرآن نفسه تحول إلى سلعة بسبب هؤلاء الحفظة، سلعة تُباع في المآتم، وتُعرض في المحافل والمسابقات. وصدق القائل حين أنزل إعلاناً عن: "أسعار بورصة القراء في مصر لعام ٢٠٢٥"! ولك أن تتخيل أن "الوالي السوفيتي على مصر" في الخمسينيات والستينيات كان هو من افتتح إذاعة القرآن الكريم! بينما كان يعذب وينكل بمن يريدون لهذا القرآن أن يحكم في سجونه الجهنمية. حتى قال صاحب المعالم: "إنهم يريدون قرآناً يُتلى في المآتم ويتغنى به الصبية في المحافل، أما أن يكون حاكماً للحياة فذلك إسلام سياسي". وإذا قرأت كتاب معالم في الطريق -الذي كان تهمة من التهم الموجهة لصاحبه- وجدته عملية قوية جداً في محاولة تثوير القرآن وتفعيله حتى قال عنه الدكتور محمد البهي -وزير الأوقاف في عهد الوالي السوفيتي- بينما كان يتحدث مع عبدالحكيم عامر: "أجبته عن تقييمي لكتاب "معالم على الطريق" بأني كنت أتمنى أنا الذي كتبته. هاج ووقف من جلوس وقال: كيف تقول ذلك والصحافة كلها نددت به؟ قلت له: إن ما في هذا الكتاب هو رأي القرآن فيما أرى. وما تقوله الصحافة عنه شيء سياسي لا دخل له إطلاقاً في تقييمه". ولمَ نذهب بعيداً؟! فقد رأينا "الحاكم بأمر الله" في مصر يفتتح عهده بمشروع "تجديد الخطاب الديني" وأن "هذه النصوص والأفكار التي تم تقديسها على مدار مئات السنين وأصبح الخروج عليها صعباً جداً" ينبغي أن تحارب! فهل وُجد الإخوان المسلمون منذ مئات السنين؟! هل وُجدت الحركة الإسلامية أصلاً منذ مئات السنين؟! ثم أعقب ذلك الشقي منذ أشهر أثناء تخريج دفعة جديدة من كهنة -عذراً - أعني أئمة الأوقاف فقال: "نريد تشكيل تيار مستنير يجابه التخلف والانحطاط الديني والذي حدث خلال ١٤٠٠ سنة "! وبحسبة بسيطة فإن الشقي يعلن أن التخلف والانحطاط الديني بدأ منذ عام ٤٣ هجرياً! أي في قرن الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين.. وكعادة أسلافه، مضى في تعذيب وقتل كل مَن قال "ربي الله" وكل مَن نادى بتحكيم هذا القرآن. وأخرج لنا عجلاً جسداً له خوار، برنامج سموه (دولة التلاوة)، ولسان حاله يقول: هذا قرآنكم وقرآن محمد فنسي. وجاءوا فيه بالحناجر "الذهبية" والأصوات "الشجية" ليستمتع الناس بعذوبة القرآن وجماله، بينما من المحرم العمل على تطبيق حكمه وجلاله! وقد صدقوا إذ سموه "دولة التلاوة"، فإنهم يريدون حقاً دولة تلاوة لا دولة علم وعمل بالمتلو! ثم يسأل سائل ويقول قائل: لماذا نعيش في هذه النكبة؟! والجواب أننا اتبعنا سنة بني إسرائيل رغباً أو رهباً، فحولنا القرآن إلى مجرد ترانيم ودندنات عذبة، وتركنا العمل والحكم به. وكان كما قال أمير المؤمنين أبي حفص رضي الله عنه:" لا يغرنكم من قرأ القرآن، فإنما هو كلام يُتكلم به، ولكن انظروا من يعمل به". فأصبحنا نجعل مَن اتخذوا القرآن سلعة تُباع وتُشترى، أو أصواتاً يتفاخرون بها أمام الورى.. أهل قرآن! "ونسينا أن أول من يستحق اسم أهل القرآن الوارد في قوله ﷺ: "أهل القرآن أهل الله وخاصته" هم أعلم الناس بمواضع أحكامه منه، وأكثرهم تدبراً وتأملاً لمعانيه، ومن الغلط حصر أو تقديم بذلك الاسم والفضل على من يعرف معانيه ويعرف أدلة أحكام الله من كتابه؛ فأحق الناس باسم "أهل القرآن" و"أهل الله وخاصته" مَن عرف حدود القرآن وحروفه وأقامهما، ثم يليه: من عرف حدوده وأقامها، ثم من عرف حروفه وأقامها"١. نسأل الله تعالى أن يرزقنا تدبر القرآن وتعلمه. ثم أن يرزقنا همة العمل به وتطبيقه، وإعادته إلى موقع الهيمنة مجدداً إنه ولي ذلك والقادر عليه. ـــــــــــــــــ ١ التفسير والبيان لأحكام القرآن، للشيخ عبدالعزيز الطريفي، ص١٣. @drassagheer @melhamy
مجلة أنصار النبي ﷺ tweet media
العربية
0
4
10
556
مجلة أنصار النبي ﷺ
﴿ أَخۡرِجُوهُم مِّن قَرۡیَتِكُمۡۖ إِنَّهُمۡ أُنَاسࣱ یَتَطَهَّرُونَ﴾ الشيخ حسن الخطيب عضو رابطة علماء فلسطين يستعد المسلمون اليوم لاستقبال شهر رمضان بوجبات الطعام الفاخرة والأهازيج والأناشيد الرمضانية؛ بينما مئات الآلاف بل ملايين من المسلمين يُعذبون في الأرض؛ ومنهم أهل غزة يستقبلون رمضان للسنة الثالثة على التوالي تحت القصف والتشريد والتجويع؛ حتى كتابة هذه السطور؛ وشلال من الدماء النقية، والأرواح الطاهرة الزكية تزهق كل يوم بل كل ساعة؛ وهم لا يزالون في الخيام البالية وسط الركام؛ بجهادهم ورباطهم يتقربون إلى الله تعالى؛ في زمن عز فيه الرجال؛ يرفعون أكف الضراعة إلى الله أن يرضيهم ويثبتهم ويصبرهم وينصرهم. يوم السابع من أكتوبر وما أدراك ما يوم السابع تعرض أهل فلسطين للاحتلال والخذلان معاً لعقود طويلة؛ فكان لزاماً أن يكون يوم السابع برجالٍ على الحق ظاهرين؛ لعدوهم قاهرين لا يضرهم من خذلهم؛ لطهرهم وصبرهم وثباتهم ورباطة جأشهم يَوَدُّ النبي ﷺ لقاءهم؛ فيقول: “وَدِدتُّ أنِّي قد رَأيتُ إخوانَنا". قالوا: يا رسولَ اللَّهِ، ألَسنا إخوانَكَ؟ قالَ: "بل أنتُمْ أصحابي، وإخواني الَّذينَ لم يَأتوا بعدُ، وأَنا فرَطُهُم على الحَوض". قالوا: يا رَسولَ اللَّهِ كيفَ تعرِفُ مَن يأتي بعدَكَ مِن أمَّتِكَ؟ قالَ: "أرأَيتَ لو كانَ لرجلٍ خَيلٌ غرٌّ محجَّلةٌ في خيلٍ بُهْمٍ دُهْمٍ ألا يعرفُ خيلَهُ؟" قالوا: بلَى. قالَ: "فإنَّهم يأتونَ يومَ القيامةِ غرًّا مُحجَّلينَ منَ الوضوءِ وأَنا فَرَطُهُم على الحوضِ"1. إنهم الطاهرون المطهرون أصحاب الأيدي المتوضئة ليخوضوا بيوم السابع أعظم معارك آخر الزمان؛ لقد كان نتاج جهد طويل وعمل دؤوب؛ ونتائج غيّرت ملامح وقواعد السياسية العربية والإسلامية والدولية؛ ليكشف الله به حقيقة انهيار كلب الحراسة الغربي الذي زرعه أهل الكفر في المنطقة العربية لنهب ثرواتها؛ والآن يحتاج هذا الكلب إلى حماية؛ لينكشف المستور الذي أحدثه يوم السابع على جميع الأصعدة: أولاً: تبين على أرض الواقع، أن ﴿أَشَدَّ ٱلنَّاسِ عَدَ ٰ⁠وَةࣰ لِّلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ ٱلۡیَهُودَ وَٱلَّذِینَ أَشۡرَكُوا۟﴾ ليسوا فقط هؤلاء؛ بل تشمل كل خصوم الإسلام من اليهود والذين أشركوا والمنافقين المتخاذلين ينصرونهم ويمدونهم. ثانيا: أن هذه الآية ﴿أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِینَ نَافَقُوا۟ یَقُولُونَ لِإِخۡوَ ٰ⁠نِهِمُ ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ مِنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَـٰبِ لَىِٕنۡ أُخۡرِجۡتُمۡ لَنَخۡرُجَنَّ مَعَكُمۡ وَلَا نُطِیعُ فِیكُمۡ أَحَدًا أَبَدࣰا وَإِن قُوتِلۡتُمۡ لَنَنصُرَنَّكُمۡ وَٱللَّهُ یَشۡهَدُ إِنَّهُمۡ لَكَـٰذِبُونَ﴾ [الحشر: ١١]. قد تحققت على أرض الواقع. ثالثاً: أن هذا الكيان وكل الدول الداعمة له؛ ليس لها أية علاقة بالقيم والأخلاق، ولا تقوم لهم قائمة إلا بإضعاف الآخرين والفساد والإفساد في الأرض. رابعاً: أن معظم الدول مرتبطة بمواثيق الأمم المتحدة أكثر بكثير من ارتباطها بدينها الرسمي وقيم شعوبها. خامساً: أظهر يوم السابع أن كل ادعاءات الغرب حول حقوق الإنسان دعاوى كاذبة، لا أساس لها من الصحة. سادساً: كل المنظمات والمؤسسات الدولية لا تستطيع العمل بحرية، وإن عملت فلا تخدم إلا مؤسسيها. سابعاً: بيان حقيقة القذارة التي يعيشها الغرب ومؤسساته؛ القائمة على الفسق والفجور والشذوذ، وأنه لا يسودها ولا يحكمها إلا قانون الغاب. ثامناً: تبيّن أن كثيراً من الدول كانت الحارس الأمين لكلب الحراسة الغربي. تاسعاً: أن الخذلان العربي والإسلامي نشأ مع نشوء دولهم وقت انفصالهم عن دولة الخلافة. عاشراً: مصالح وعلاقات المتخاذلين الخاصة أهم بكثير من دماء المسلمين. حادي عشر: بعض الرموز الدينية والرسمية للأسف “لحاهم مزيفة وعمائمهم مستأجرة”. الأسباب الرئيسة لزوال الدول وهلاكها إن المتصفح لتوراة اليهود المحرفة يجد الكثير من الأفكار العفنة والشاذة؛ لكفرهم وريبهم وترددهم وتطاولوا على ذات الله تعالى، واتهام الأنبياء وقتلهم، وعنادهم وقسوة قلوبهم وحبهم للمعاصي، والرغبة الجامحة في العدوان، وخيانتهم؛ لهذا ضرب الله عليهم الذلة والهوان والمسكنة؛ قال الله تعالى: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ ۗ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ۗ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ [البقرة:٦١]. وقوله تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِم بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ ۚ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ١٥٥]. كذلك بسبب فسادهم وإفسادهم وإشعال نار الحروب؛ قال الله تعالى: ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا ۚ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [المائدة: ٦٤]. أسباب الزوال فكانت الأسباب التالية لزوالهم.. السبب الأول: الكفر وموبقات الذنوب إن النظام الكفري لا يكون السبب المباشر للهلاك والزوال إن راعى فيه مصالح العباد والبلاد؛ لكنه أياً كان نظامه واقترن بموبقات الذنوب؛ وأصبح الظلم والقتل ديدنهم، والعصيان فعلهم، والاعتداء منهجهم؛ والاستغلال طبيعتهم، والسلب والنهب وإضعاف خصومهم طريقتهم، وردع أي قوة خطر تهددهم؛ أو تعارضهم؛ للقضاء عليهم؛ هكذا يفعل الغرب اليوم؛ يقول عزت بيغوفيتش رئيس البوسنة والهرسك رحمه الله: "لم يكن الغرب يوماً ما متحضراً قط، وازدهاره الحالي قائم على استعماره المستمر، وعلى الدماء التي سفكها، والدموع التي تسبب بها، والمعاناة التي ألحقها بالآخرين". السبب الثاني: انعدام القيم والأخلاق مجتمعات شيدت حضارتها على النهب والسلب والاستغلال، وتحولت إلى الإلحاد بلا قيم ولا أخلاق ولا مبادئ إلا بمقدار ما تشيد بها حضارتها الزائفة؛ مع الإباحية بحرية فعل أي شيء بشرط ألا يمانع ما يحدده القانون؛ وبمقدار المال الموجود ليصنعوا زخرف الحياة غروراً، لذلك أمرنا الله ألا نغتر بهم؛ قال الله تعالى: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۚ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [آل عمران: ١٩٦-١٩٧]. وكيف نغتر بهم وقد أسسوا بنيانهم على القتل والسلب والنهب والاستغلال؛ بلا أخلاق ولا قيم أو دين، فسيهلكهم الله كما أهلك من هم أشد منهم قوة وآثاراً؛ قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِن قَبْلِهِمْ ۚ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُم مِّنَ اللَّهِ مِن وَاقٍ﴾ [غافر: ٢١]. يتباهون بفعالهم ومدى تقدمهم وثقافتهم في نواديهم؛ قال الله تعالى؛ ﴿وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَّقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾ [مريم: ٧٣]؛ ومع ذلك أهلكهم الله فقال: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا﴾ [مريم: ٧٤]؛ “لقد كانوا أوسع نعمة وعيشاً، وأهدأ بالاً وأفضل مسكناً، وأحسن مجلساً”2. فبذنوبهم وإتيانهم المنكر في نواديهم كقوم لوط أهلكهم الله تعالى فقال: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنكَرَ ۖ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَن قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٩]. بهذا الغرور والكبر تحدوا رسل الله عز وجل! وهذا ما كان من (نتنياهو) وغيره؛ عندما قال: “سنهزمهم ولو كان الله معهم”! استفزازاً لكل مشاعر المسلمين الذين لم يحركوا ساكناً. السبب الثالث: الفسق والفجور والشذوذ الجنسي لقد وصل الفساد في تلك البلاد إلى حد الإباحية؛ ليصبح شيوع الفسق والفجور أمراً عادياً إلى حد الشذوذ الجنسي؛ وإقرار “الزواج المثلي” رسمياً؛ لتكتفي المرأة بالمرأة والذكر بالذكر؛ لينقطع النسل وينخفض عدد السكان؛ بل ويتوجه الكثير منهم بفعل الثراء الفاحش إلى تجارة البشر، واغتصاب القُصَّر والأطفال وقتلهم بطقوس إجرامية يتعبدون بها الشيطان، ليكون ذلك السبب المخزي في حياتهم لسقوط منظومتهم الكفرية؛ والتحويلات الجذرية لانهيار الدول الشيطانية بأمر الله. السبب الرابع: انتشار الإسلام يقول الله تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ﴾ [هود: ١١٦]. ولأن الله خلق الإنسان على فطرة الإسلام؛ يقول ﷺ: “ما مِن مَوْلُودٍ إلَّا يُولَدُ علَى الفِطْرَةِ، فأبَواهُ يُهَوِّدانِهِ أوْ يُنَصِّرانِهِ أوْ يُمَجِّسانِهِ، كما تُنْتَجُ البَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعاءَ، هلْ تُحِسُّونَ فيها مِن جَدْعاءَ؟" ثُمَّ يقولُ: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتي فَطَرَ النَّاسَ عليها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلكَ الدِّينُ القَيِّمُ﴾ [الروم:٣٠]. وخصوم الإسلام من اليهود ومَن لَف لفهم بأفعالهم الإجرامية تجاوزوا كل الحدود في محاربة دين الله، واشتداد هجماتهم حركت الضمير في نفوس البقية التي ما زال الخير في نفسها ولغيرها يتساءلون: ما سر هذا الدين لتكون كل هذه العداوة عليه؟ ما سر صبر الناس على دينهم؟ كيف يتقبل المؤمنون الموت بهذه السهولة؟ وتكثر الأسئلة ويبحث الناس عن الإجابات ليجدوا الحقيقة؛ ليدخل الناس في دين الله بالمئات؛ بل بالآلاف؛ ليستشعر الغرب الحاكم والصهيونية خطر الإسلام على منظومته الاستعمارية والكفرية؛ لتشتد العداوة والشراسة فيه على كل من كان سبباً في الحراك الإسلامي واليقظة الإسلامية؛ ليتم القضاء عليهم أو إخراجهم كما هي سنة الظالمين في الأرض: ﴿أَخْرِجُوهُم مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٨٢]. إنها فكرة الصراع الأزلي بين الحق والباطل، القائم على حرص الحق لثني الباطل عن منهجه ودعوته إلى دين الله وخوف الرسل عليهم من عذاب الله؛ فكان معظمهم يقول: ﴿إِنّي أَخَافُ عَلَيْكمْ عَذَابَ يومٍ عَظيمٍ﴾ [الشعراء: ١٣٥]. فالله بفضله يريد إخراج الناس من الظلمات إلى النور قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ﴾ [البقرة: ٢٥٧]. وأهل الكفر يريدون إبقاء الناس على ضلالهم وكفرهم؛ قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِۗ أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٧]. لذلك كانت مهمة الرسل الأساسية إخراج الناس إلى النور؛ قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُم بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾ [إبراهيم: ٥]. أما خصومهم من عتاة المجرمين والطغاة؛ فإن مهمتهم الأساسية إخراج الناس من النور إلى الظلمات؛ وتغييب كل من يخالفهم إما بالقتل أو النفي أو السجن؛ هذا ما كان مع رسول الله ﷺ. قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ۚ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال:٣٠]. وما صنعه إخوة يوسف عليه السلام؛ قال الله تعالى: ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا﴾ [يوسف: ٩]. فعندما يطغى أهل الكفر والظلم يتجاوزون كل حدودهم على من خالف منهجهم وسلوكهم؛ فيكون الإخراج لزاماً، قال الله تعالى: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَن قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ ۖ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [النمل: ٥٦] بسبب طهرهم وعفتهم؛ فعندما يصبح الكفر منهجاً والفسق وسيلة والرذيلة شائعة، يصبح الخير والطهر منبوذاً غريباً؛ فيستقوي أهل الباطل بعضهم ببعض عليه لتغييبه بأي وسيلة كانت وإخراجه؛ قال الله تعالى: ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ﴾ [إبراهيم: ٨٨]. لذلك وجدنا أهل الكفر والقذارة والشر والفساد و﴿أشد الناس عداوة للذين آمنوا﴾ تدعمه أمريكا رأس الشر العالمي، يحاولون إخراج المقاومة من غزة؛ كما فعلوا مع منظمة فتح في بيروت ١٩٨٢م وشتتوهم في البلاد والأمصار؛ لكن هيهات هيهات أن يحيد أهل الحق عن طريقهم، أو يتنكبهم الهوى والضعف والهوان؛ فكان الطهر أساسهم والثبات طريقهم، والصمود عزيمتهم، والصبر منهجهم والرضا بالمصاب وسيلتهم. فأهل الإيمان في غزة يعلمون تمام العلم؛ أن أرض فلسطين بأهلها هم رأس حربة الأمة، وعلى أيديهم سيُحرر مسرى الرسول ﷺ من رجس ودنس المحتلين؛ لتأتي البشريات.. بشائر الخير تتوالى أبشروا أهل غزة.. مهما كان الوجع مؤلماً وقاسياً؛ سيكون الفرج معوضاً لكل الابتلاءات.. فليس من باب المصادفة أن تُسرب فضائح (إيبستين) أو فلنقل (إبليستيم)؛ ونحن نستقبل شهر رمضان المبارك! وأن يكون من ضمن المشاركين في هذه الجزيرة رؤساء حاليون وسابقون، وعلماء على أعلى المستويات العلمية؛ ليس لاستغلال الأطفال والاتجار بالفتيات القُصَّر بل لأشياء قادمة مبهرة ومفرحة جداً. الغريب أن يُذكر اسم ترامب أكثر من ألف مرة ولا يحرك ساكناً، كأن الأمر لا يعنيه! ليكون سقوطه مدوياً. مهما بلغت مؤامرات أعداء الإسلام ومهما كان مكرهم مآله الفشل؛ قال الله تعالى: ﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِندَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ [إبراهيم: ٤٦]. لذلك فليطمئن أهل غزة بطُهرهم وحسن توكلهم على الله تعالى وهم ينتظرون فرج الله تعالى، فتصلهم بشريات فضائح الغرب المشينة وهم يعلمون يقيناً أن هذه الفضائح ما هي إلا بداية لهلاك المجرمين؛ وأن هذه الفضائح لا تليق إلا بالأفاكين المكذبين ومَن على شاكلتهم من العبيد وعبيد العبيد من أهل الرذيلة؛ كما أن الله عز وجل تكفّل بحماية دينه وأهل دينه، وإن ظهور هذه الفضائح في دولة الاستكبار العالمي ومشاركة أساطين المال والسياسة والعلم بهذه الصورة المشينة والمخزية وهم الذين صدعوا رؤوسنا بحقوق الإنسان.. ما هي إلا إيذاناً بقرب نهايتهم وزوالهم قريباً جداً بإذن الله وكما أراد؛ قال الله تعالى ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ [الإسراء: ١٦]. ـــــــــــــــــــــــ 1 أخرجه النسائي عن أبي هريرة رضي الله عنه بسند صحيح. 2 تفسير الطبري بتصرف. @drassagheer @melhamy
مجلة أنصار النبي ﷺ tweet media
العربية
0
3
15
2.2K
مجلة أنصار النبي ﷺ
بمناسبة حلول #عيد_الفطر المبارك، تتقدم مجلة "أنصار النبي ﷺ" و رئيس تحريرها و العاملين بها بأسمى آيات التهاني والتبريكات إلى الأمة الإسلامية جمعاء، سائلين الله عز وجل أن يعيده علينا جميعًا باليُمن والبركات. في هذا اليوم المبارك، ندعو الله أن يملأ قلوبنا بنعمة التقوى، وأن يعيد علينا العيد وقد تحققت آمال الأمة في عزتها وكرامتها. نسأل الله أن يتقبل صيامنا وقيامنا، وأن يجعل هذا العيد فرصة لتوحيد الصفوف وتعزيز الروابط بين أبناء الأمة. كل عام وأنتم بألف خير، وتقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. @drassagheer @melhamy
مجلة أنصار النبي ﷺ tweet media
العربية
6
11
130
4.2K
مجلة أنصار النبي ﷺ
القرآن دستور هذه الأمة، الذي جاء لتنظيم حياتها مجتمعة وحياة كل فرد فيها. الذي يشتمل على أحكام كثيرة في أمور الدنيا وأحكام كثيرة في أمور الآخرة، هو الدستور الوحيد الذي لا يعتريه نقص بشري ولا خلل بنيوي ولا احتمال تغيير مستقبلي. من مقال: وما هو بالهزل بقلم: أحمد هاني - طالب بكلية الطب لقراءة المقال كاملًا: supportprophetm.com/gbc4 @drassagheer @melhamy
مجلة أنصار النبي ﷺ tweet media
العربية
0
3
21
2.5K
مجلة أنصار النبي ﷺ
زعامة العالم العربي العلامة أبو الحسن الندوي رحمه الله* إن العالم العربي له أهمية كبيرة في خريطة العالم السياسية، وذلك لأنه وطن أمم لعبت أكبر دور في التاريخ الإنساني، ولأنه يحتضن منابع الثروة والقوة الكبرى: الذهب الأسود الذي هو دم الجسم الصناعي والحربي اليوم؛ ولأنه صلة بين أوربة وأمريكا، وبين الشرق الأقصى، ولأنه قلب العالم الإسلامي النابض يتجه إليه روحياً ودينياً ويدين بحبه وولائه، ولأنه عسى -لا قدر الله- أن يكون ميدان الحرب الثالثة، ولأن فيه الأيدي العاملة، والعقول المفكرة، والأجسام المقاتلة، والأسواق التجارية، والأراضي الزراعية. ولأن فيه مصر ذات النيل السعيد بنتاجها ومحصولها وخصبها وثروتها ورقيها ومدنيتها، وفيه سورية وفلسطين وجاراتها، باعتدال مناخها وجمال إقليمها وأهميتها الاستراتيجية، وبلاد الرافدين بشكيمة أهلها ومنابع البترول فيها، والجزيرة العربية بمركزها الروحي وسلطانها الديني، واجتماع الحج السنوي الذي لا مثيل له في العالم، وآبار البترول الغزيرة. كل ذلك قد جعل العالم العربي محط أنظار الغربيين وملتقى مطامعهم وميدان تنافس لقيادتهم، وكان رد فعله أن نشأ في العالم العربي شعور عميق بالقومية العربية، وكَثُرَ التغني بالوطن العربي والمجد العربي. محمد رسول الله روح العالم العربي ولكن المسلم ينظر إلى العالم العربي بغير العين التي ينظر بها الأوربي، وبغير العين التي ينظر بها الوطني العربي، إنه ينظر إليه كمهد الإسلام ومشرق نوره ومعقل الإنسانية، وموضع القيادة العالمية، ويعتقد أن سيدنا محمداً العربي هو روح العالم العربي وأساسه وعنوان مجده؛ وأن العالم العربي -بما فيه من موارد الثروة والقوة وبما فيه من خيرات وحسنات- جسم بلا روح، وخط بلا وضوح إذا انفصل -لا سمح الله بذلك- عن سيدنا رسول الله ﷺ وقطع صلته عن تعاليمه ودينه؛ وأن سيدنا رسول الله ﷺ هو الذي أبرز العالم العربي للوجود، فقد كان هذا العالم وحدات مفككة، وقبائل متناحرة، وشعوباً مستعبدة، ومواهب ضائعة، وبلاداً تتسكّع في الجهل والضلالات. فكان العرب لا يحلمون بمناجزة الدولة الرومية والفارسية ولا يخطر ذلك منهم على بال، ولا يصدقون بذلك إذا قيل لهم في حال من الأحوال. وكانت سورية التي تكون جزءاً مهماً من العالم العربي مستعمرة رومية تعاني الملكية المطلقة والحكم الجائر المستبد، لا تعرف معنى الحرية والعدل، وكان العراق مطيَّة لشهوات الدولة الكيانية مثقلة بالضرائب المجحفة والإتاوات الفادحة. وكانت مصر قد اتخذها الرومان ناقةً حَلُوْباً رَكُوباً، يجزون صوفها ويظلمونها في علفها، ثم إنها تعاني الاضطهاد الديني مع الاستبداد السياسي. فما لبث هذا العالم المفكك المنحل، المظلوم المضطهد، أن هبت عليه نفحة من نفحات الإسلام الذي جاء به محمد ﷺ، أدرك رسول الله من هذا العالم وهو ضائع هالك، وأخذ بيده وهو ساقط متهالك، فأَحْيَاه بإذن الله وجعل له نوراً يمشي به في الناس، وعلمه الكتاب والحكمة وزكاه؛ فكان هذا العالم بعد البعثة المحمدية سفير الإسلام، ورسول الأمن والسلام، ورائد العلم والحكمة، ومشعل الثقافة والحضارة. كان غوثاً للأمم، غيثاً للعالم، هنالك كانت الشام وكان العراق، وكانت مصر، وكان العالم العربي الذي نتحدث عنه، فلولا محمد ﷺ، ولولا رسالته، ولولا ملته، لما كانت سورية، ولا كان العراق، ولا كانت مصر، ولا كان العالم العربي، بل ولا كانت الدنيا كما هي الآن حضارة وعقلاً، وديانة وخلقاً. فمن استغنى عن دين الإسلام من شعوب العالم العربي وحكوماته، وولى وجهه شطر الغرب أو أيام العرب الأولى، أو استلهم قوانين حياته أو سياسته من شرائع الغرب ودساتيره أو أَسَّسَ حياته على العنصرية أو العروبة التي لا شأن لها بالإسلام، ولم يَرْضَ برسول الله ﷺ قائداً ورائداً وإماماً وقدوة، فليرد على محمد بن عبد الله ﷺ نعمته ويرجع إلى جاهليته الأولى، حيث الحكم الروماني والإيراني، وحيث الاستعباد والاستبداد، وحيث الظلم والاضطهاد، وحيث الجهل والضلالة، وحيث الغفلة والبطالة، وحيث العزلة عن العالم، والخمول والجمود، فإن هذا التاريخ المجيد، وهذه الحضارة الزاهية، وهذا الأدب الزاخر، وهذه الدول العربية، ليست إلا حسنة من حسنات محمد عليه الصلاة والسلام. الإيمان هو قوة العالم العربي فالإسلام هو قومية العالم العربي، ومحمد هو روح العالم العربي وإمامه وقائده، والإيمان هو قوة العالم العربي التي حارب بها العالم البشري كله فانتصر عليه، وهو قُوَّته وسلاحه اليوم كما كان بالأمس، به يقهر أعداءه، ويحفظ كيانه ويؤدي رسالته. إن العالم العربي لا يستطيع أن يحارب الصهيونية أو الشيوعية أو عدواً آخر بالمال الذي ترضخه بريطانيا أو تتصدق به أمريكا أو روسيا، أو تعطيه مقابل ما تأخذ من أرضه من الذهب الأسود، إنما يحارب عدوه بالإيمان والقوة المعنوية، وبالروح التي حارب بها الدولة الرومية والإمبراطورية الفارسية في ساعة واحدة فانتصر عليهما جميعاً. إنه لا يستطيع أن يحارب أعداءه بقلب يحب الحياة ويكره الموت، وبجسم يميل إلى الدعة والراحة، وعقل يخامره الشك وتتنازع فيه الأفكار والأهواء، أو بيد مضطربة وقلب متشكك ضعيف الإيمان وقوة متخاذلة في الميدان. فالمهم لأمراء العرب وزعمائهم وقادة الجامعة العربية أن يغرسوا الإيمان في الشعوب العربية، وجماهير الأمة وأولياء الأمور، والجيوش العربية والفلاحين والتجار، وفي كل طبقة من طبقات الجمهور، ويشعلوا فيها شعلة الجهاد في سبيل الله، والتَّوْقَ إلى الجنة، ويبعثوا فيها الاستهانة بالمظاهر الجوفاء وزخارف الدنيا، ويعلموهم كيف يتغلبون على شهوات النفس ومألوفات الحياة، وكيف يتحملون الشدائد في سبيل الله، وكيف يستقبلون الموت بثغر باسم، وكيف يتهافتون عليه تهافت الفراش على النور. تضحية شباب العرب قنطرة إلى سعادة البشرية بُعث رسول الله ﷺ وقد بلغت شقاوة الإنسانية غاية ما وراءها غاية، وكانت قضية الإنسانية أعظم من أن يقوم لها أفراد متنعمون، لا يتعرضون لخطر ولا لخسارة ولا محنة، لهم النعيم الحاضر والغد المضمون، إنما تحتاج هذه القضية إلى أناس يضحون بإمكانياتهم ومستقبلهم في سبيل خدمة الإنسانية وأداء رسالتهم المقدسة، ويعرضون نفوسهم وأموالهم ومعائشهم وحظوظهم من الدنيا للخطر والضياع، وتجاراتهم وحرفهم ومكاسبهم للتلف والكساد، ويخيبون آمال آبائهم وأصدقائهم فيهم، حتى يقولوا للواحد منهم كما قال قوم صالح: ﴿قَالُوا يَا صْالِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوا ًقَبْلَ هَذَا﴾ [هود: ٦٢]. إنه لا بقاء للإنسانية ولا قيام لدعوة كريمة بغير هؤلاء المجاهدين، وبشقاء هذه الحفنة من البشر في الدنيا -كما يعتقد كثير من معاصريهم- تنعم الإنسانية وتسعد الأمم، ويتحول تيار العالم من الشر إلى الخير، ومن السعادة أن يشقى أفراد وتنعم أمم، وتضيع أموال وتكسد تجارات لبعض الأفراد وتنجو نفوس وأرواح لا يحصيها إلا الله من عذاب الله ومن نار جهنم. علم الله عند بعثة الرسول الله أن الروم والفرس والأمم المتحضرة المتصرفة بزمام العالم المتمدن، لا تستطيع بحكم حياتها المصطنعة المترفة أن تتعرض للخطر وتتحمل المتاعب والمصاعب في سبيل الدعوة والجهاد وخدمة الإنسانية البائسة، ولا تستطيع أن تضحي بشيء من دقائق مدنيتها وتأنقاتها في الملبس والمأكل أن تتنزل عن حظوظها ولذاتها وزخارفها فضلاً عن حاجاتها، وأنه لا يوجد فيها أفراد يقوون على قهر شهواتهم، والحد من طموحهم، والزهد في فضول الحياة ومطامع الدنيا، والقناعة بالكفاف، فاختار الرسالة الإسلام وصحبة الرسول عليه الصلاة والسلام أمة تضطلع بأعباء الدعوة والجهاد وتقوى على التضحية والإيثار، تلك هي الأمة العربية القوية السليمة التي لم تبتلعها المدنية ولم ينخرها البذخ والترف، وأولئك أصحاب محمد ﷺ "أَبَرُ الناس قلوباً وأَعْمَقُهُم عِلماً وأَقَلُّهم تكلفاً"1. قام الرسول بهذه الدعوة العظيمة فأدى حقوقها: من الجهاد في سبيلها وإيثارها على كل ما يقف في وجهها، والعزوف عن الشهوات ومطامع الدنيا فكان في ذلك أسوة وإماماً للعالم كله، كلمه وفد قريش وعرض عليه كل ما يغري الشباب ويرضي الطامحين من رئاسة وشرف ومال عظيم وزواج كريم، فرفض كل ذلك في صرامة وصراحة، وكلمه عمه وحاول أن يحد من نشاطه في سبيل الدعوة فقال ﷺ: "يا عَمَّ! واللهِ لَوْ وَضَعُوْا الشَّمْسَ فِي يَمِينِي وَالْقَمَرَ فِي يَسَارِي عَلَى أَنْ أَتْرُكَ هَذا الأَمْرَ حَتَّى يُظهِرَهُ الله أو أهلكَ فِيهِ مَا تَرَكْتُهُ"2. ثم كان أسوة للناس في عصره وبعد عصره بقيامه بأكبر قسط من الجهاد والإيثار، والزهد وشظف العيش وأقل قسط من العيش وأسباب الحياة، فقد أوصد على نفسه الأبواب وسد في وجهه الطرق وتعدى ذلك إلى أسرته وأهل بيته والمتصلين به، فكان أكثر الناس اتصالاً به وأقربهم إليه أقلهم حظاً في الحياة، وأعظمهم نصيباً في الجهاد والإيثار، فإذا أراد أن يحرم شيئاً بدأ ذلك بعشيرته وبيته، وإذا سَنَّ حقاً أو فتح باباً لمنفعة قدم الآخرين وربما حرمه على عشيرته الأقربين. أراد أن يحرّم الربا فبدأ بربا عمه العباس بن عبد المطلب فوضعه كله، وأراد أن يهدر دماء الجاهلية فبدأ بدم ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب فأبطله، وسنّ الزكاة وهي منفعة مالية عظيمة مستمرة إلى يوم القيامة فحرمها على عشيرته بني هاشم إلى آخر الأبد، وكلمه علي بن أبي طالب يوم الفتح أن يجمع لبني هاشم الحجابة مع السقاية فأبى وطلب عثمان بن طلحة وناوله مفتاح الكعبة وقال: "هاك مفتاحك يا عثمان! اليوم يـوم بـر ووفاء"، وقال: "خُذُوْهَا خَالِدَةٌ تالدة فيكم لا ينزعها منكم إلا ظالم"3. وحمل أزواجه على الزهد والقناعة وشظف العيش وخيرهن بين عشرتهن مع الفقر وضيق العيش، ومفارقته مع السعة والرخاء وتلا عليهن قوله تعالى: ﴿یَـٰۤأَیُّهَا ٱلنَّبِیُّ قُل لِّأَزۡوَ ٰ⁠جِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدۡنَ ٱلۡحَیَوٰةَ ٱلدُّنۡیَا وَزِینَتَهَا فَتَعَالَیۡنَ أُمَتِّعۡكُنَّ وَأُسَرِّحۡكُنَّ سَرَاحࣰا جَمِیلࣰا * وَإِن كُنتُنَّ تُرِدۡنَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَٱلدَّارَ ٱلۡـَٔاخِرَةَ فَإِنَّ ٱللَّهَ أَعَدَّ لِلۡمُحۡسِنَـٰتِ مِنكُنَّ أَجۡرًا عَظِیمࣰا﴾ [الأحزاب: ٢٨-٢٩]. فاخترن الله والرسول، وتأتيه فاطمة تشكو إليه ما تلقى في يدها من الرحى، وبلغها أنه جاءه رقيق فيوصيها بالتسبيح والتحميد والتكبير ويقول لها: "إنه خير لها من خادم"4.. وهكذا كان شأنه مع أهل بيته والمتصلين به فالأقرب ثم الأقرب. و آمن به رجال من قريش في مكة فاضطربت حياتهم الاقتصادية اضطراباً عظيماً، وكسدت تجاراتهم وحُرم بعضهم رأس ماله الذي جمعه في حياته، وحُرم بعضهم أسباب الترف والرخاء وأناقة اللباس التي كان فيها مضرب المثل، وكسدت تجارة بعضهم لاشتغاله بالدعوة وانصراف الزبائن عنه، وحرم بعضهم نصيبه في ثروة أبيه. ثم لما هاجر الرسول إلى المدينة وتبعه الأنصار تأثرت بذلك بساتينهم ومزارعهم، فلما أرادوا أن يقبلوا عليها بعض الوقت ويصلحوها لم يسمح لهم بذلك، وأَنذرهم الله به فقال: ﴿وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكة﴾ [البقرة: ١٩٥]. وهكذا كان شأن العرب والذين احتضنوا هذه الدعوة منهم، فقد كان نصيبهم من متاعب الجهاد وخسائر النفوس والأموال أعظم من نصيب أي أمة في العالم وقد خاطبهم الله بقوله: ﴿قُلۡ إِن كَانَ ءَابَاۤؤُكُمۡ وَأَبۡنَاۤؤُكُمۡ وَإِخۡوَ ٰ⁠نُكُمۡ وَأَزۡوَ ٰ⁠جُكُمۡ وَعَشِیرَتُكُمۡ وَأَمۡوَ ٰ⁠لٌ ٱقۡتَرَفۡتُمُوهَا وَتِجَـٰرَةࣱ تَخۡشَوۡنَ كَسَادَهَا وَمَسَـٰكِنُ تَرۡضَوۡنَهَاۤ أَحَبَّ إِلَیۡكُم مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَجِهَادࣲ فِی سَبِیلِهِۦ فَتَرَبَّصُوا۟ حَتَّىٰ یَأۡتِیَ ٱللَّهُ بِأَمۡرِهِۦۗ وَٱللَّهُ لَا یَهۡدِی ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡفَـٰسِقِینَ﴾ [التوبة: ٢٤] وقال: ﴿مَا كَانَ لِأَهۡلِ ٱلۡمَدِینَةِ وَمَنۡ حَوۡلَهُم مِّنَ ٱلۡأَعۡرَابِ أَن یَتَخَلَّفُوا۟ عَن رَّسُولِ ٱللَّهِ وَلَا یَرۡغَبُوا۟ بِأَنفُسِهِمۡ عَن نَّفۡسِهِۦۚ﴾ [التوبة: ۱۲۰]. لأن سعادة البشرية إنما كانت تتوقف على ما يقدمونه من تضحية وإيثار، وما يتحملون من خسائر ونكبات فقال: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ﴾ [البقرة: ١٥٥] وقال: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا ءَامَنَا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت: ٢] وكان إحجام العرب عن هذه المكرمة وترددهم في ذلك امتداداً لشقاء الإنسانية، واستمراراً للأوضاع السيئة في العالم فقال: ﴿إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ [الأنفال: ٧٣]. وقد وقف العالم في القرن السادس المسيحي على مفترق الطرق، إما أن يتقدم العرب ويعرضوا نفوسهم وأموالهم وأولادهم وكل ما يعز عليهم للخطر، ويزهدوا في مطامع الدنيا، ويضحوا في سبيل المصلحة الاجتماعية بأنانيتهم فيسعد العالم، وتستقيم البشرية، وتقوم سوق الجنة، وتروج بضاعة الإيمان، وإما أن يؤثروا شهواتهم ومطامعهم وحظوظهم الفردية على سعادة البشرية وصلاح العالم، فيبقى العالم في حمأ الضلالة والشقاء إلى ما شاء الله. وقد أراد الله بالإنسانية خيراً وتشجع العرب -بما نفخ فيهم محمد ﷺ من روح الإيمان والإيثار وحَبَّبَ إليهم الدار الآخرة وثوابها- فقدموا أنفسهم فداء للإنسانية كلها، وزهدوا في مطامع الدنيا طمعاً في ثواب الله وسعادة النوع الإنساني، وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله، وضحوا بكل ما يحرص عليه الناس من مطامع وشهوات وآمال وأحلام، وأخلصوا لله العمل والجهاد، فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة والله يُحِبُّ المحسنين. وقد استدار الزمان كهيئته يوم بُعث الرسول ﷺ، ووقف العالم على مفترق الطرق مرة ثانية إما أن يتقدم العرب -وهم أمة الرسول وعشيرته- إلى الميدان ويغامروا بنفوسهم وإمكانياتهم ومطامحهم، ويخاطروا فيما هم فيه من رخاء وثراء، ودنيا واسعة، وفرص متاحة للعيش، وأسباب ميسورة، فينهض العالم من عثاره وتتبدل الأرض غير الأرض، وإما أن يستمروا فيما هم فيه من طمع وطموح، وتنافس في الوظائف والمرتبات وتفكر في كثرة الدخل والإيراد وزيادة غلة الأملاك وربح التجارات والحصول على أسباب الترف والتنعم، فيبقى العالم في هذا المستنقع الذي يتردّى فيه منذ قرون. إن العالم لا يسعد وخيرة الشباب في العواصم العربية عاكفون على شهواتهم، تدور حياتهم حول المادة والمعدة لا يفكرون في غيرهما، ولا يترفعون عن الجهاد في سبيلهما، ولقد كان شباب بعض الأمم الجاهلية الذين ضحوا بمستقبلهم في سبيل المبادئ التي اعتنقوها أكبر منهم نفساً، وأوسع منهم فكراً، بل كان الشاعر الجاهل امرؤ القيس أعلى منهم همَّةٌ، إذ قال: ولو أن ما أسعى لأدنى معيشة ** كفاني، ولم أطلب قليلاً من المال ولكنما أسعى لمجد مؤثَّلٍ ** وقد يدرك المجد المؤثل أمثالي إن العالم لا يمكن أن يصل إلى السعادة إلا على قنطرة من جهاد ومتاعب يقدمها الشباب المسلم. إن الأرض لفي حاجة إلى سماد، وسماد أرض البشرية الذي تصلح به وتُنبت زرع الإسلام الكريم هي: الشهوات والمطامع الفردية التي يضحي بها الشباب العربي في سبيل علو الإسلام وبسط الأمن والسلام على العالم، وانتقال الناس من الطريق المؤدية إلى جهنم إلى الطريق المؤدية إلى الجنة. إنه لثمن قليل جداً لسلعة غالية جداً ! العناية بالفروسية والحياة العسكرية من الحقائق المؤلمة أن الشعوب العربية قد فقدت كثيراً من خصائصها العسكرية، ورزئت في فروسيتها التي كانت معروفة بها في العالم، فكانت رزيئة كبيرة وخسارة فادحة، وكانت سبباً من أسباب ضعفها وعجزها في ميدان الجهاد، فقد اضمحلت الروح العسكرية، وضعفت الأجسام ونشأ الناس على التنعم، وقد حلت السيارات محل الجياد حتى كادت الخيل العربية تنقرض من الجزيرة العربية، وهجر الناس المصارعة والمناضلة وسباق الخيل وأنواع الرياضة البدنية والتدريبات العسكرية، واستبدلوا بها ألعاباً لا تفيدهم شيئاً، فالمهم لرجال التعليم والتربية قادة الشعوب العربية أن يربوا الشبيبة العربية على الفروسية والحياة العسكرية، وعلى البساطة في المعيشة وخشونة العيش والجلادة وتحمل المشاق والمتاعب، والصبر على المكروه ! وقد كتب المربي الكبير أمير المؤمنين عمر بن الخطاب إلى بعض عماله العرب وهم في بلاد العجم: "إياكم والتنعم وزي العجم، وعليكم بالشمس فإنها حمام العرب، وتمعددوا واخْشَوْشِنُوا، واخْشَوْشِبُوا، واخْلَوْلِقُوْا، وأعطوا الركب أسنتها، وانزوا نزواً، وارموا الأغراض"5. وقد قال النبي ﷺ: "ارْمُوْا بَنِي إِسْمَاعِيلَ فَإِنَّ أَبَاكُمْ كَانَ رَامِيا"6. وقال ﷺ: "أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ، أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْي"7. ــــــــــــــــــــــــــــ * أبو الحسن الندوي، ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين، ط3 (دمشق: دار ابن كثير، 2003م)، ص375 وما بعدها 1 حديث موقوف، رواه البغوي عن ابن مسعود رضي الله عنه، في مشكاة المصابيح (۳۲/۱). 2 أخرجه ابن إسحاق كما في سيرة ابن هشام (١/ ٢٦٥-٢٦٦). قال الهيثمي في المجمع (١٥/٦): رواه أبو يعلى باختصار يسير من أوله ورجال أبي يعلى رجال الصحيح. 3 زاد المعاد (١/ ٤٢٥ )؛ نقلاً عن طبقات ابن سعد. 4 رواه البخاري عن علي رضي الله عنه في كتاب فرض الخمس، رقم الحديث (۲۸۸۱). 5 رواه البغوي عن أبي عثمان النهدي. وتمعدد الغلام: شب وغلظ. اخشوشن: تخشن في المطعم والملبس. اخشوشب: صار صلباً كالخشب في أحواله وصبره على الجهد. اخلولقوا: تبذلوا في الملابس. 6 أخرجه البخاري، 2684. 7 أخرجه مسلم، 3541. @drassagheer @melhamy
مجلة أنصار النبي ﷺ tweet media
العربية
1
11
30
4.5K
مجلة أنصار النبي ﷺ
المقالات الصوتية مقال: رمضان شهر الجهـ.ـاد بقلم: د. سلمان العودة - فك الله أسره استمع الآن إلى المقال كاملاً 🎧 @drassagheer @melhamy
العربية
0
7
36
3K
مجلة أنصار النبي ﷺ
المقالات الصوتية مقال: رمضان شهر الجهـ.ـاد بقلم: د. سلمان العودة - فك الله أسره استمع الآن إلى المقال كاملاً 🎧 @drassagheer @melhamy
العربية
1
3
13
337
مجلة أنصار النبي ﷺ
من استقرأ سيرة السلف في كتب تراجمهم يعلم ما اشتُهر عند أهل التواريخ والسير أن غزوة بدر وفتح مكة كانتا في شهر رمضان، فإن كان جهاد البدن مرغوباً مشروعاً في شهر رمضان فكيف بالجهاد العلمي ممثلاً في نشر سنة النبي ﷺ من مقال: هل ترك السلف مجالس الحديث في رمضان؟! بقلم: عبد الـمُصَوِّر الأحمر الأنصاري - ماجستير في إدارة المؤسسات الوثائقية والمكتبات- الجزائر لقراءة المقال كاملًا: supportprophetm.com/foyd @drassagheer @melhamy
مجلة أنصار النبي ﷺ tweet media
العربية
0
0
3
236
مجلة أنصار النبي ﷺ
وحدة الأمة في رمضان.. في رمضان، لا يجوز أن تنام القلوب.. أمة كاملة تصوم، لكن بعض أطرافها تفطر على الألم، والحصار، والخوف. رمضان يعلّمنا أن الدعاء موقف، وأن الشعور بالآخر عبادة، وأن الصمت عن الظلم قسوة لا صيام معها.. من مقال: رمضان يمرّ بصمت، فمن الذي تغيّر؟ بقلم: د. محمد الناهي - سفير الهيئة العالمية لأنصار النبي ﷺ في اليمن لقراءة المقال كاملًا: supportprophetm.com @drassagheer @melhamy @alnahi2011
مجلة أنصار النبي ﷺ tweet media
العربية
0
2
7
270
مجلة أنصار النبي ﷺ
الأسير الفلسطيني.. يوم في رمضان إسلام حسن حامد فك الله أسره* حتى في زنازين الاعتقال، شهر رمضان له جمال خاص، الساعة الثانية فجرًا يبدأ الاحتفال، أستيقظ من نومي وكلي شوقٌ للوقوف بين يدي الله، أتجهز والتسابيح لا تفارقني، أستقبل القبلة وفي يدي مصحفي، على ضوءٍ خافت أبدأ صلاتي وقراءتي للقرآن، يذوب الجسد مع المعنى، وتصعد الروح محلقةً في جمال خلق الله، إلى أن يتسرب الأذان الأول من بين القضبان والجدران، لأقف حزينًا مودعًا وردي، منتقلًا إلى طاعةٍ أخرى: السحور "تسحروا فإن في السحور بركة". مما قسم الله نبدأ في تجهيز السحور، قليلٌ من هنا وهناك حتى نرى أطايب ما يمكن صنعه، نتحلق حول المائدة والدعوات تنهال من الجميع بالقبول، وأن يُبارك المولى لنا في صيامنا وقيامنا، وأن يفك أسرنا وأسر إخواننا المأسورين، وأن يعيدنا إلى أهلنا محررين فاتحين، اللهم آمين. بقايا من طعام الأمس، وما تم استصلاحه من خضار، تُزينها أُخُوَّة اللحظة في ابتسامة صغيرة ترتسم على وجوهنا، نبقى في هذه الحال حتى نسمع صوت أسير ينادي: "عشر دقائق على الأذان يا عباد الله"! نتعجل في شرب الماء وغسل الأواني والاستعداد لصلاة الفجر، في الفجر نصلي والترانيم جميلةٌ، يبرع الإمام في قراءة القرآن، والبعض منا يجيد المقامات، فنعيش الموشحات الأصيلة، لنذوب من جديد في ملكوت الله. والأذكار لها شجون، بصوتٍ واحدٍ نتلو الأذكار، تسابيح واستغفار، أدعيةٌ وآيات، مجموعةٌ في ترتيبٍ لطيفٍ على القلب، وتنتهي في دعاء الرابطة: "اللهم إنك تعلم أن هذه القلوب قد اجتمعت على محبتك، والتقت على طاعتك، فوثق اللهم رابطتها". حتى نسمع أصوات تعكر صفو اللحظات الإيمانية، تنادي زاعقةً سماعة السجن العامة أن العد الصباحي قد بدأ، العدد من أجل أن تصبح رقمًا، لكن لا يعلمون أن رُبَّ قيدٍ قاد نصرًا، ليرتاح من أراد ذلك لاحقًا، متحضرًا ليومٍ طويل يتخلله كل الوقائع في الأسر، إلى أن يقترب وقت المغيب. الإفطار الإفطار له نكهة مختلفة، فالأسرى يصنعون من العدم وصفات طعام ليست بالكتب، من جديد حول المائدة مع دعاءٍ بالقبول، وشربة ماءٍ تُحيي العروق، وحبة تمرٍ أتت من بعيد، يثب الجسد بعد يومٍ مرهق، ويستعد كما لو لم يكن شيء، فرمضان يزينه الصيام والقيام وقراءة القرآن. صلاة التراويح تشعر بالتميز عندما تصليها، فهي ليست في كل الأشهر، وتمر سريعًا بسلاستها، قراءةٌ للقرآن معبرةٌ، ومزامير داوود تصدح في الآفاق، وموعظةٌ بين ثناياها، فأنت في صلاة التراويح، تنتهي الركعات الثماني بجمعةٍ لطيفةٍ نأكل فيها ما استطعنا صنعه من حلويات. نودع يومنا بذكر الله تعالى، لنعود لاحقًا إلى الساعة الثانية فجرًا، نطوي الأيام، وننتظر الفرج من الله والنصر القريب. ــــــــــــــــــــــــــــ * إسلام حامد، مقال: الأسير الفلسطيني.. يوم من رمضان، أبريل 2021، موقع إلكتروني: حضارات. @drassagheer @melhamy
مجلة أنصار النبي ﷺ tweet media
العربية
2
11
52
4.3K
مجلة أنصار النبي ﷺ
لم يحددها النبي ﷺ بليلة معينة بل قال ﷺ: "إني أُريت ليلة القدر ثم أُنسيتها، فالتمسوها في العشر الأواخر في الوتر". وقال ﷺ في موضع آخر: "ليلة القدر ليلة سابعة أو تاسعة وعشرين.. إن الملائكة تلك الليلة في الأرض أكثر من عدد الحصى". وقال ﷺ في موضع ثالث: "التمسوا ليلة القدر آخر ليلة من رمضان". من مقال: ليلة العمر بقلم: د. خالد أبو شادي - فك الله أسره لقراءة المقال كاملًا: supportprophetm.com/c5pm @drassagheer @melhamy
مجلة أنصار النبي ﷺ tweet media
العربية
0
5
34
3.1K
مجلة أنصار النبي ﷺ
بقلوب مؤمنة بقضاء الله وقدره، تنعى مجلة أنصار النبي ﷺ إلى الأمة الإسلامية، وإلى قرائها خاصة، وفاة الباحث الشرعي والكاتب بصفحاتها، عبد القادر محمد المهدي أبو سنيج رحمه الله تعالى. فقد وافته المنية أول أمس (السبت 14 مارس 2026م)، وهو يقوم هو وعائلته بتوزيع وجبات الإفطار على الصائمين من العمال والمزارعين، وهو العمل الذي اعتاد عليه طوال شهر #رمضان المبارك. وفي هذا المنشور جمعنا لكم ثلة من مقالاته السابقة لدينا، عسى الله أن ينفع بها وتكون صدقة جارية على روحه. الجهاد أصل الأسوة الحسنة في الرسول ﷺ: t.me/ansarmagazine/… معركة الولاء والبراء: supportprophetm.com/r4p7 تشابهت قلوبهم: supportprophetm.com/gmi7 أسوء مرَض وأسوء مَرضَى: supportprophetm.com/bdlm تثبيت المؤمنين وانتكاس المبطلين: supportprophetm.com/r2y5 أولئك آبائي.. كلمات في رثاء محدّث الأمة وحامل همومها الشيخ #الحويني: supportprophetm.com/xg6q الأرض المقدسة محور الصراع (1): supportprophetm.com/0nrb الأرض المقدسة محور الصراع (2): supportprophetm.com/ocmb الأرض المقدسة محور الصراع (3): supportprophetm.com/n5xu الأرض المقدسة محور الصراع (4): supportprophetm.com/t1o1 الأرض المقدسة محور الصراع (5): supportprophetm.com/m40a21/ لا تقولوا للشـ.ـهداء "أموات" فيضيع إيمانكم (1): t.me/ansarmagazine/… لا تقولوا للشـ.ـهداء "أموات" فيضيع إيمانكم (2): supportprophetm.com/k9nv لا تقولوا للشـ.ـهداء "أموات" فيضيع إيمانكم (3): supportprophetm.com/azt6 لا تقولوا للشـ.ـهداء أموات فيضيع إيمانكم (4): supportprophetm.com/bh9b @drassagheer @melhamy
مجلة أنصار النبي ﷺ tweet media
العربية
32
79
279
74.9K
مجلة أنصار النبي ﷺ
الحاجب المنصور محمد بن أبي عامر (توفي في 27 رمضان 393هـ) رينهارت دوزي المستشرق الشهير المتخصص في الأندلس* في ربيع ۱۰۰۲م قام المنصور -وقد اقتربت نهايته- بآخر حملة له، وكان يتمنى على الله دائماً أن يلقى ربه ومنيّته في ساحة الوغى، وكان شديد الإيمان بإجابة دعائه هذا، حتى لقد كان يستصحب معه على الدوام كفنه الذي خاطته له بناته، ولم يدفع في هذا القماش غير المال المحمول إليه من ضيعته المحيطة ببيته الموروث في (طرش)، ليكون منزهاً عن كل حرام، وأمر ألا يدفع فيه شيء من مال متحصل عليه من غير هذا الوجه. وكلما دنا من الشيوخة ازداد تعبداً، ولما كان القرآن الكريم يشير إلى أن الله عاصم من النار وجوه الذين عفروا أقدامهم بتراب الجهاد.. فقد جرت عادة المنصور -كلما بلغ محلة من المحلات- أن يبادر إلى جمع ما يكون قد علق بثيابه من التراب ويحتفظ به في صرة أعدها لهذا الغرض وحده. ولما حضرته المنية أمر أن يجعلوا هذا التراب معه في لحده عسى أن تكون المشقة التي تكبدها في جهاده شفيعاً له عند رب العرش. ولقد تكللت بالنصر حملته الأخيرة التي شنها على (قشتالة)، شأنها في ذلك شأن جميع حملاته السالفة، وتوغل حتى بلغ Canales ودك دير القديس أملين حامى قشتالة، كما خرب قبل ذلك بخمس سنوات كنيسة حامي غاليسية، وفي أثناء عودته اشتد به المرض، ولما كان سيء الظن بأطبائه الذين لم يتفقوا على تشخيص كنه علته أو كيف يكون برؤه منها.. فقد أصر على رفض كل ما أشاروا به عليه من علاج، يقيناً منه بأنه غير ناج من الموت، وقعد به الداء حتى أعجزه عن امتطاء جواده، فحمل في مِحفة وقاسى الآلام الشداد حتى كان يقول: “إن زمامي يشتمل على عشرين ألف مرتزق ما أصبح فيهم أحد أسوأ حالة مني". وظل ابن أبي عامر محمولاً على ظهور الرجال أربعة عشر يوماً حتى أدرك مدينة سالم، لا يشغل باله سوى خاطر واحد هو أن سلطته كانت مضطربة على الدوام غير ثابتة الدعائم وتقابل بالمعارضة، وعلى الرغم من انتصاراته الجمة وشهرته المدوية إلا أنه كان يخشى حدوث ثورة بعد موته تطوح بكل ما لأسرته من البأس، واستبد به هذا الخاطر فعكّر عليه صفو أيامه الأخيرة فدعى إلى سريره ابنه البكر عبد الملك وألقى إليه بتعاليمه ووصاياه. لقد أوصاه أن يكل قيادة الجيش إلى أخيه عبد الرحمن، أما هو فيمضي إلى قرطبة ليأخذ أزمة الأمور في يديه، وأن يبادر إلى قمع كل محاولة يراد بها إثارة الفتنة، فوعده عبد الملك باتباع نصائحه والعمل بإرشاداته. غير أن اضطراب المنصور كان قد بلغ درجة وصل الأمر معها أنه كلما هم ولده بالعودة -حين يحسب أن أباه قد فرغ من حديثه- أرجعه المنصور إليه خوفاً من أن يكون قد نسي شيئاً، ولم يكن يعدم في كل مرة نصيحة يضيفها إلى ما سبق أن أوصاه به، وحدث أن بكى الشاب فنهره أبوه وأنبه على جزعه الذي عدّه فاتحة خور، ولما انصرف الابن عبد الملك استجمع المنصور قواه بعض الشيء ودعى إليه قواده الذين كادوا أن ينكروه لشدة هزاله واصفرار وجهه حتى لاح كأنه الشبح، وكاد أن يفقد القدرة على الكلام فودعهم بحديث لا يبين أكثره، وعمد إلى الإشارة يفسر بها ما عجز لسانه عن الإفصاح به. ثم لم يلبث أن لفظ نفسه الأخير في مساء الاثنين العاشر من أغسطس (۲۷ رمضان ۳۹۲هـ)، ودُفن في مدينة سالم وقد نقش على قبره هذان البيتان: آثاره تنبيك عن أخباره ** حتى كأنك بالعيون تراه تالله لا يأتي الزمان بمثله ** أبداً، ولا يحمي الثغور سواه أما الكلمة التي أودعها راهب مسيحي في حولياته فلم تكن أقل بياناً عن هذين البيتين؛ إذ يقول فيها: “في سنة ١٠٠٢م، مات المنصور وذهب إلى الجحيم". ولا شك أن هذه الكلمات البسيطة التي أملتها على الراهب كراهيته لعدو موسد في الثرى هي أفصح في تقدير مكانته من المراثي الطنانة التي قيلت فيه. والواقع أنه لم يكن لنصارى الجزيرة خصم كهذا الخصم، فقد شن المنصور عليهم أكثر من خمسين حملة (إذ كان من عادته أن يغزو غزوتين كل سنة، إحداهما في الربيع والأخرى في الخريف)، وقد خرج منها كلها ظافراً، وإذا أسقطنا من حسابنا ما هدمه من البلدان التي كان من بينها ثلاث عواصم: ليون وبانبلونة وبرشلونة؛ فقد خرب كذلك هیکلي: حامي غاليسية وقديس قشتالة، ويقول أحد المؤرخين النصاري: “في هذا الوقت البعيد اندثرت العبادة الربانية من إسبانيا وتضاءل كلياً مجد خدام المسيح، ونُهبت أموال الكنيسة المتجمعة خلال عدة قرون". ولقد أصبحت قلوب النصارى ترجف لذكر اسمه، وطالما أنقذه هذا الذعر الذي بثه فيهم من أخطار دفعته إليها جرأته، حتى لم يكونوا يجرؤون على الانتفاع بالظروف التي يتهيأ لهم فيها أن يكون تحت أيديهم وفي متناولهم.. فقد حدث ذلك مرة أن سلك شِعباً ضيقاً بين جبلين شاهقين ودخل في أرض العدو ومضى جنده ينهبون ويخربون ذات اليمين وذات الشمال، ولم يجسر المسيحيون على النهوض إليهم لمقاومتهم، فلما قفل المنصور راجعاً رأى أعداءه قد استولوا على ذلك الممر وعدم المسلمون الوسيلة لدفعهم، وأدرك ابن أبي عامر حرج موقفه فدبر خطة حازمة وظل يبحث حتى هداه البحث للعثور على ناحية ملائمة ابتنى بها عدة دور ومنازل، ثم أمر بضرب رؤوس جماعة من الأسرى وتكديس جثثهم لتكون متاريس، ولما أخذ فرسانه يذرعون البلد ولم يجدوا طعاماً أمر بجمع آلات الحرث وطلب إليهم فلاحة الأرض، فاشتد جزع أعدائه من تلك الإجراءات العظيمة التي أدركوا منها أن المسلمين عاقدون العزم على ألا يبرحوا بلدهم هذا، فترددوا عليه يسألونه الصلح وأن يخرج غانماً بما أصاب، فرفض المنصور هذا العرض قائلاً: "إن أصحابي أبوا أن يخرجوا، وقالوا إنا لا نكاد نصل إلى بلادنا إلا وقد حان وقت الغزوة الأخرى، فلنقعد هاهنا حيث نحن إلى أن يحين وقت الغزو، فإذا غزونا عدنا إلى بلادنا". وبعد عدة مفاوضات أذعن النصارى ورضوا أن يذهب المنصور بغنائمه ودفعهم ذعرهم منه إلى أن تكفلوا له بمدّه بدواب الحمل لنقل ما غنمه، وبالميرة حتى يبلغ الأطراف الإسلامية، وتعهدوا أن ينحوا الجيف التي تسد عليه الطريق. وحدث في مرة من مرات العودة من إحدى الحملات أن نسي حامل الراية رايته وتركها مركوزة على قمة جبل مشرف على إحدى المدن المسيحية، فظلت الراية مكانها أياماً لم يجرؤ النصارى على التقدم نحوها ليروا هل رحل المسلمون أم لا زالوا مقيمين. ويقال أيضاً إن رسولاً من قِبل المنصور وصل إلى بلاط غرسية ملك نفارة، فبولغ في الحفاوة به، ثم وجد في إحدى الكنائس عجوزاً مسلمة ذكرت له أنها أُسرت في صباها ولازالت رهن الأسر في تلك الكنيسة، وتوسلت إليه أن يروي للمنصور خبرها، فوعدها الرسول الذي قص على الوزير خبر سفارته، فلما فرغ من تقريره سأله المنصور عما إذا كان قد أبصر في نفارة أمراً استنكره؟ فأفضى إليه بخبر الأسيرة المسلمة، فصاح به المنصور: "ويحك! كان عليك أن تبتدرني بهذا الخبر". وجهّز في لحظته حملة تقدمت إلى حدود نفارة، فاشتد جزع غرسية وأنفذ إليه في ساعته رسالة يستفسره فيها عما اقترف من الذنب؟ لأنه لم يكن يرى أنه جاء بشيء يهيج حفيظته، وإذ قال الوزير للرسل الذين حملوا إليه هذا الخبر: “كان قد عاقدني ألا يبقى بأرضه أسيراً ذكراً كان أو أنثى، وقد بلغني بعدُ مُقام فلانة بتلك الكنيسة، والله لا أنتهي عن أرضه حتى أمسحها". فلما وقف غرسية على جواب المنصور بادر فأرسل إليه المرأة التي طلبها وكذلك أخرتين هداه إليهما البحث، وأقسم في الوقت ذاته إنه لم يرَ أبداً هؤلاء النسوة، ولم يبلغه خبرهن من قبل، وأعلمه أنه أمَر بهدم الكنيسة التي أشار إليها المنصور. ولقد بلغت إسبانيا زمن المنصور من القوة درجة لم تتهيأ لها أبداً من قبل، حتى ولا زمن عبد الرحمن الناصر، ويرجع الفضل في ذلك إلى الجيش الذي أنشأه المنصور ودربه على الطاعة والامتثال لأمره، ولم تقتصر خدمة المنصور على هذه الناحية فحسب بل لقد كان يعمل على نشر الحضارة وأدى لها خدمات جمة. وكان المنصور يتفحص كل أمر جلّ أو تفه، وكان إذا أراد الأقدام على أمر هام استشار في العادة أهل الحل والعقد وإن كثرت مخالفته لمشورتهم، إذ لم يزِد هؤلاء الرجال أبداً عن كونهم رجالاً عاديين قد استعبدتهم العادة والعرف المألوف، فهم يعرفون ما عمله عبد الرحمن الناصر أو الحكم الثاني في ظروف مماثلة لظروفهم، ولا يؤمنون بقدرة امرء على سلوك سبيل غير السبيل التي سلكها مَن قبلهم، كانوا إذا رأوا المنصور قد خالف مشورتهم إلى نهجه الخاص أيقنوا بفشله، ثم تبرهن الأحداث على خطئهم الفادح. غير أن العدل يقتضينا أن نذكر إلى جانب ذلك أنه كان وفياً كريماً عادلاً، طالما كانت أطماعه غير خطرة، فإن كان الأمر هكذا فالصرامة -كما قلنا- أساس شخصيته. وكان إذا صمم على شيء استحال صرفه عنه. لم يكن الألم الجثماني ليقعد المنصور عن طلبه الشيء وإلحاحه فيه؛ فقد حدث ذات يوم أن كان به داء في رجله، فأخذ يكويه أثناء اجتماع مجلس المشورة ومضى يتكلم كأن ليس ثَم شيء، وما كان لأحد من الجالسين أن يعرف ما يحدث لولا أن تصاعدت رائحة الجلد المحترق، وهكذا كان كل ما فيه صورة للقوة والثبات العجيبين، وكان ثابتاً في محبته ثبوته في كراهيته، فلم ينسَ لأحد قط معروفاً أسداه إليه، ولم يغفر لأحد ما سيئة ارتكبها ضده، وقد آمن بذلك رفاقه الذين خيرهم وهم شباب ما يختارون من الأعمال فيما لو آلت الوزارة إليه، فحصل الطلاب الثلاثة الذين حملوا كلامه على محل الجد، فسمّوا يومذاك ما يطمعون فيه من وظائف، أما رابعهم الذي سخر به فقد كفر عن حماقته بمصادرة كل ممتلكاته. غير أن المنصور كان يتغلب في بعض الأحيان على عناده إذا تبين له خطأه، فقد سُئل ذات يوم الصفح عن جماعة من سجنائه، فلما سرح عينيه في القائمة طالعه اسم أحد غلمانه، وكان يضمر له الحقد الدفين وقد مضت عليه في الحبس فترة طويلة بلا جريرة تبرر كل هذا العقاب، فكتب على الهامش: "لا سبيل إلى إطلاقه حتى يلحق بأمه الهاوية“، ثم جاء الليل وطلب النوم فاستعصى عليه ووخزه ضميره، وبينما هو بين المنام واليقظة خُيل إليه أنه رأی آتیاً کریه الصورة عنيف الأخذ يأمره بإطلاق سراح الغلام ويتوعده بحبسه هو، وحاول عبثاً طرد هذه الأفكار السوداء عنه، وذلك حمله على أن بعث في طلب الورق وهو في فراشه وكتب بإطلاق سراح السجين، وكتب هذه العبارة: "هذا طليق الله على رغم أنف ابن أبي عامر". ولقد ذهب إيثاره العدل مذهب المثل السائر، فكان يحب تنفيذ العدالة دون رعاية لأحد ما، ولم يدع لعطفه على بعض الناس مجالاً يطغى عليه فيجعلهم بمنجاة من القانون.. حدث أن وفد عليه رجل من العامة وقال له: “يا ناصر الحق، إن لي مظلمة عند ذلك الوصيف الذي على رأسك"، وأشار إلى فتى صقلبي يحمل الدرقة وكان أثيراً عند المنصور، ثم تابع كلامه فقال: “وقد دعوته إلى القاضي فلم يأت"، فقال المنصور: “أو عبد الرحمن بن فطيس بهذه المنزلة من العجز والمهانة وكنا نظنه أمضى من ذلك؟ اذكر مظلمتك يا هذا!" فروى له الرجل كيف تعاقد مع الصقلبي الذي بدى له أن ينقض ما أبرم، فلما فرغ من كلامه قال المنصور: “ما أعظم بليتنا بهذه الحاشية"! ثم التفت إلى الصقلبي الذي ارتعدت فرائصه خوفاً وقال له: “ادفع الدرقة لغيرك وانزل صاغراً، وساوِ خصمك مقامه حتى يرفعك الحق أو يضعك"، ثم قال لعامل الشرطة: “خذه إلى صاحب المظالم ليقضي فيه بما يوجبه الحق عليه".. فانتصف القاضي للرجل الذي عاد إلى المنصور شاكراً له يده، فقال له الوزير: “ قد انتصفت أنت فاذهب لسبيلك، وبقى انتصافي أنا ممن تهاون بمنزلتي". وحدث فى مرة أخرى أن تخاصم أكبر خدمه مع تاجر مغربي فاستدعى القاضي الخادم للحضور أمامه لحلف اليمين، فكبر عليه أن يقف ويقاضى، وفي ذات يوم بينما كان المنصور فى طريقه إلى المسجد وفي صحبته رئيس خدمه هذا إذا بالتاجر المغربي يدنو منه ويقص عليه ما حدث، فأمسك الوزير لساعته بخادمه وأمره بالشخوص إلى القاضي، فلما ثبتت إدانته صرفه المنصور عما بيده. وقصارى القول إنه إذا كانت الأساليب التي اصطنعها المنصور للاستيلاء على السلطة قد تجرمه وتدينه، إلا أنه يجب الاعتراف بشرف سيرته ونبل خطته حينما استتب له الأمر، ولو كان القدر أتاح له أن يولد في مهاد الملوكية لما أسرف الناس في لومه إلى هذا الحد على ما اقترفه من الأعمال، ولربما عدوه إذ ذاك أحد الأمراء العظام الذين يبجلهم التاريخ ويحفظ ذكراهم، غير أنه لما كان قد أطل على الحياة في بيت ريفي قديم، فقد اضطرته الرغبة في تحقيق هدفه إلى سلوك سبيل جم العثرات والمزالق. ـــــــــــــــــــــــــــــ * رينهارت دوزي، المسلمون في الأندلس، ترجمة وتعليق: د. حسن حبشي، ط (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1994م)، 2/ 145 وما بعدها. @drassagheer @melhamy
مجلة أنصار النبي ﷺ tweet media
العربية
0
8
31
3.4K