Sabitlenmiş Tweet

دول الخليج وعلاقاتها العربية: دعوة للمراجعة الذاتية بدلاً من العتب
في خضم التطورات الإقليمية الراهنة، يبرز تساؤل متكرر في الأوساط الخليجية حول موقف العالم العربي والإسلامي من التحديات المتصاعدة مع إيران. يلاحظ البعض اصطفاف بعض الدول العربية إلى جانب طهران، مستندين في ذلك إلى اعتبارات تتعلق بالصراع مع إسرائيل، مما أثار عتباً واضحاً في دول الخليج تجاه هذه المواقف.
غير أن هذا العتب يحمل في طياته قدراً من المبالغة. فالعتب الحقيقي ينشأ عادة بين الأطراف المتقاربة التي ترتبط بعلاقات التزام متبادل. أما دول الخليج، فقد ساهمت بإرادتها السيادية في دعم وتقريب عدد من الدول العربية سياسياً واقتصادياً على مدى عقود، دون أن يؤدي ذلك دائماً إلى تحالفات استراتيجية متينة ومتبادلة. وهنا يكمن السؤال الأهم: هل يعود السبب إلى عدم فهم كامل لطبيعة هذه الدول وأولوياتها الداخلية، وعدم استيعاب دروس التاريخ معها؟
دروس من التاريخ
توفر التجارب التاريخية أدلة واضحة على هشاشة بعض التحالفات العربية رغم الدعم الخليجي السخي. خلال حرب الخليج الأولى (1990-1991)، قدمت دول مجلس التعاون الخليجي دعماً مالياً وسياسياً وعسكرياً كبيراً للتحالف الدولي لتحرير الكويت، بمشاركة قوات عربية من مصر وسوريا.
كذلك، خلال الحرب العراقية-الإيرانية (1980-1988)، وقفت دول الخليج إلى جانب العراق بقوة، معتبرة النظام الإيراني الثوري تهديداً وجودياً. لكن الإطاحة بنظام صدام حسين عام 2003 أدت إلى فراغ استراتيجي ملأته إيران تدريجياً، مما كشف عن محدودية الاعتماد على تحالفات عربية تقليدية دون استراتيجية خليجية واضحة ومستقلة.
ومن الأمثلة البارزة في السنوات الأخيرة، الدعم المالي والاستثماري الكبير الذي قدمته دولة الإمارات العربية المتحدة لمصر. منذ عام 2013 وحتى 2024، بلغ إجمالي المساعدات والودائع والاستثمارات الإماراتية عشرات المليارات من الدولارات، شملت منحاً وقروضاً بدون فوائد وودائع في البنك المركزي المصري، بالإضافة إلى حزم استثمارية ضخمة. وفي فبراير 2024، وقّعت الإمارات صفقة استثمارية كبرى بقيمة 35 مليار دولار لتطوير منطقة رأس الحكمة على الساحل الشمالي، بهدف دعم الاحتياطي النقدي المصري وتعزيز الاقتصاد. ورغم هذا الدعم السخي والمستمر، حافظت مصر على مواقفها الخاصة في بعض الملفات الإقليمية، بما في ذلك علاقاتها مع قوى أخرى.
تُظهر هذه الأمثلة أن الدعم المالي والسياسي الخليجي الواسع — الذي شمل مساعدات تنموية هائلة للعديد من الدول العربية — لم يكن كافياً في كثير من الأحيان لبناء تحالفات استراتيجية متبادلة ومستدامة. السبب الأساسي غالباً ما يكمن في عدم الاستيعاب الكامل للديناميكيات السياسية والشعبية في تلك الدول، وعدم قراءة دقيقة لدروس التاريخ حول طبيعة المصالح الوطنية التي تتجاوز شعارات التضامن العربي.
في الخلاصة
لا ينبغي أن يتحول العتب إلى عامل يُضعف الروابط العربية. دول الخليج هي التي اختارت، بإرادتها الحرة، تقريب بعض الأطراف وبناء علاقات مع قوى إقليمية ودولية مختلفة. وبالتالي، فإن الدعوة الأولى يجب أن تكون للمراجعة الذاتية: تعزيز الفهم العميق للدول العربية الشقيقة، استيعاب دروس التاريخ بدقة أكبر، وبناء سياسة خارجية خليجية أكثر واقعية واستقلالية تعتمد على المصالح المشتركة طويلة الأمد، لا على افتراضات التضامن التلقائي.
إن الواقع الجيوسياسي الجديد يتطلب حكمة استراتيجية وبعد نظر، لا مجرد عتاب عابر. فالتركيز على تعزيز القدرات الذاتية وصناعة التحالفات المتينة هو الطريق الأمثل لدول الخليج لتعزيز دورها الإقليمي والدولي بثقة واستقلالية.
العربية



















