
كثير من النقاشات حول #نظام_الطيبات لا تبدأ من النظام نفسه، بل من الطريقة التي جرى تعريفه بها، وهي نقاشات في بعضها مغرضة مع الأسف. لماذا، لأن البعض يتعاملون معه كما لو أنه دواء جديد، أو وصفة طبية، ثم يطالبونه بما يطالب به الدواء من تجارب سريرية وترخيص طبي ونسب شفاء محددة، وحين لا يجدون ذلك، يصدرون حكمهم سريعا: النظام غير علمي. هذا الحكم يبدأ من مقدمة خاطئة، وبالتالي، نظام الطيبات، كما يقدمه الدكتور ضياء العوضي رحمه الله، ليس دواء بمفهوم الأدوية، ولا وصفة طبية تشترى من الصيدلانية، هو نمط غذائي، أي طريقة منظمة في اختيار الطعام وتنظيم الوجبات وفهم علاقة الإنسان بما يأكل. وهذا فرق جوهري، فالطب يتعامل مع المرض من خلال التشخيص والعلاج والدواء والمتابعة، بينما يتعامل النظام الغذائي مع أسئلة أخرى: ماذا نأكل؟ كيف نأكل؟ متى نأكل؟ وما أثر عاداتنا الغذائية في الجسم على المدى الطويل؟ وحين نخلط بين المجالين، يصبح النقاش مشوشا من بدايته، وبعض هذا النقاش مغرض من البداية. لا أحد يقول إن الحمية المتوسطية دواء، أو إن الصيام المتقطع وصفة طبية، أو إن النظام النباتي عقار يباع في الصيدليات، ومع ذلك، يناقش الناس أثر هذه الأنظمة في الوزن والسكر وضغط الدم وصحة القلب. فلماذا حين نصل إلى نظام الطيبات نغير قواعد النقاش، ونطلب منه أن يقدم نفسه كما لو كان دواء؟ الإنصاف يقتضي أن نحاكم الفكرة بحسب المجال الذي تنتمي إليه، فإن كان النظام غذائيا، فالسؤال الصحيح ليس: أين وصفته الطبية؟ بل: ما فلسفته؟ هل يستطيع الناس الالتزام به؟ ما الذي يتغير في أجسادهم؟ وماذا تقول الفحوصات قبل التجربة وبعدها؟ هذه هي الأسئلة الجادة وغير المغرضة، أما أن ننسب إليه ادعاءات لم يقلها، ثم نهاجمه بسببها، فهذا لا يختلف عن محاكمة شخص على شهادة كتبها خصمه نيابة عنه. نظام الطيبات يطرح سؤالا بسيطا لكنه مربك للنظام الطبي: هل يمكن أن يكون جزء من أزماتنا الصحية مرتبطا بطريقة الطعام الذي نأكله؟ هذا السؤال يثير حساسية واضحة، لأنه لا يمس صنفا واحدا، بل يمس نمط حياة كاملا، فالناس لا يدافعون عن الطعام باعتباره طعاما فقط، بل عن عادات وذكريات وموروث اجتماعي. ولهذا تتحول المناقشة بسهولة من فحص الفكرة إلى الدفاع عن الذات، وبعضه مرتبط بشركات وأسواق وتفاصيل أخرى. التجربة الصحية لا تقاس بالصوت المرتفع، ولا بعدد المؤيدين أو المعارضين، بل تقاس بالأعراض، والنوم، والنشاط، والوزن، وسكر الدم، وضغط الدم، ثم بالتحاليل الطبية. التجربة الشخصية ملاحظة مهمة، وحين تتكرر الملاحظة لدى أعداد كبيرة، وتظهر أنماط متشابهة، فإنها تتحول إلى سؤال يستحق البحث. والعلم نفسه بدأ في كثير من مراحله بملاحظة، ثم فرضية، ثم دراسة، ثم نتيجة قابلة للاختبار. الموقف العلمي ليس أن نقبل كل شهادة، ولا أن نسخر من كل تجربة، الموقف العلمي الذي يتشدق به البعض يبدأ بأن نراقب، ونقيس، ونقارن. جوهر نظام الطيبات هو إعادة النظر في علاقة الإنسان بالطعام: تقليل التعقيد، التوقف عن الأكل المستمر، ترك مساحات من الراحة للجسم، والابتعاد عن أصناف يراها النظام مرهقة للجسد. قد يوافق شخص على هذه الفلسفة، وقد يرفضها، وهذا حقه، لكن الرفض الحقيقي يبدأ من فهم النظام كما هو، لا من بناء صورة مشوهة عنه ثم مهاجمتها. نظام الطيبات ليس وصفة طبية، ولا يطلب أن يحل محل الطب، فهو نمط غذائي يمكن قبوله أو نقده أو تطويره، لكن بعد تعريفه بدقة. لأن أول شروط الحكم العادل على أي فكرة، أن نفهمها قبل أن نحاكمها.

















