سمير السيد retweetledi

ساعة الذات الذكية
حينما تعلق في ذهني مؤلفات معينة في الأدب وتثير بي الدهشة أجدني أنتقل مباشرة للبحث عن كُتاب هذه المؤلفات، أحب أن اتأمل الحالة التي نبع منها الكاتب متتبعة لسيرته، من هو؟ كيف نشأ؟ بماذا تأثر لينتج لنا هذه الفكرة، فكيف لو وجدت له سيرة ذاتية -وهي من الأجناس الأدبية التي قرأت فيها مبكرًا- يقص من خلالها إنسانيته، ولطالما بقيت في ذهني شذرات من الكاتب الإنسان، أتذكر مثلًا بشكل دافئ وموحش في ذات الوقت المنزل الذي عاد له مريد البرغوثي بعد ثلاثين عامًا من الغياب، وطقم الشاي الذي كان يظهر للضيوف فقط، والآن بقي المنزل وبقيت الأكواب مسجونة في تلك الأرفف ولكن من يعيد ذلك الوقت؟ أفكار كهذه تجعلني أسافر معها كثيرًا ويحملني خيالي للبعيد على جناحي طائر، أفكر في كل شيء خصوصًا في ما بعد معنى الأحداث التي سُردت في سيرة ما.
في الآونة الأخيرة أجدني متأثرة كثيرًا بسيرة سمير السيد فهي أشبه بمذكرات لمرحلة الطفولة، ولكن ما لفتني هو النقاط المشتركة في مواضع عدة التي -بحسب قراءاتي- أجدها نقاط رائدة في مجال السير، وهي دمج تطور التقنية في الثمانينات الميلادية بمغامرات وفضول الطفولة، وعلى الرغم بأني لم أشهد تلك المرحلة فقد سمعت عنها بشكل متقطع من والدتي إلا أن دفئها تسلل لقلبي ودهشتها شدت ذهني كثيرًا.
أيضًا حضور الشمس في أغلب الأحداث كفعل فني حاضر ومؤثر في سير الأحداث جعلني أستحضر كل الأشياء التي لا تكتمل إلا بوجود الشمس وكأن الكاتب يشير لنا بشكل غير مباشر بأن من فقد الشمس بلا شك أنه فقد الحياة، حياة ماذا؟ هذا ما لا يحدده ليجعلنا غائصين بالفكرة، طارحين العديد من الاسئلة حول مفهوم الحياة تحديدًا.
جاءت المذكرات مقسمة كفصول ولكل فصل عنوان له، ومن العناوين التي لفتت انتباهي هو "إيقاع الشفاء."
يستهل الكاتب به فيقول:
"بعينين محمرتين، وطفح جلدي، وسعال متكرر لا يهدأ، وحرارة تشتعل كمورد في صدري، واجه جسدي النحيل والهزيل لأول مرة داء الحصبة، وأنا ابن السادسة."
لم يكن يشير لمرضه فقط بقدر ما كان يرصد انتشار هذا الداء في تلك الفترة الزمنية، ويعاود التأكيد على فكرة الشمس ونورها وعلاقتها بالحياة في قوله "وأنا على حجرها وإيقاع ساقها يتحرك صعودًا وهبوطًا تقوم بكل أعمالها، تلضم إبرة الخياطة تحت نور الشمس، ترتب ملابس إخوتي، تنتقي حبات الأرز بدقة، تحادث خالتي عبر الهاتف، تتابع مسلسل الظهيرة، تعطيني جرعة الدواء، تضع يدها على جبيني لتقيس حرارتي.. وأنا لا أتحرك. لا أبكي. فقط أصغي إلى ذلك الإيقاع. ذلك الإيقاع وحده كفيلًا بإسكات ألمي"
وهنا وكأنه يؤكد على فكرة التشافي بالفن، وعلاقة الضوء الذي كان يتسلل له من الشمس بسكون لقلبه وإشارة لاستمرار الحياة معه!
ومن المواضع التي لفتتني كثيرًا في فصول عدة، تطور التقنية كوجود أشرطة الفيديو، مواقيت التلفزيون الثابتة، الكاميرا التي تحتاج لتحميض، الاريل، وعلاقتهم بالتأثير على الحياة الإنسانية بالعموم، أيضًا ذكره للحياة الاجتماعية في ذلك الزمن وتفاعلهم مع أحداث المجتمع، كالأحداث الكروية، دخول رمضان، فصل الصيف ومطلع القيظ، الفن، الفوازير، السمك والمطر الساحلي، المقاهي… جميعها لم تذكر مصادفة، فقد كان يشير الكاتب للتكاتف الاجتماعي وعلاقة الناس بكل حدث، فلم تكن الكرة مجرد حدث عابر، ولم يكن المقهى محصور بكوب، ولم يكن رمضان شهر بقدر ما كان طقس عائلي، ولم يكن المطر حدث بقدر ما كان إشارة لوجبة عائلية حنونة، ولم تكن الفوازير برنامجًا بقدر ما كان إشارة للتأثر بالبث التلفزيوني المصري على الساحل الغربي للسعودية.
و لا أظن بأن آخر فصل من الكتاب جاء مصادفة تحت عنوان "الشتاء الأخير" بموت والد الكاتب، ولم يكن موت الوالد هو القصد من ذكر الحدث بقدر ما كان هذا الحدث إشارة واضحة يريد أن يطلعنا الكاتب من خلالها على أن تلك الفترة بنهاية الثمانينات الميلادية قد أغلقت أحداثها وبقيت طي الذكرى للأبد..
أما إهداء الكتاب فأترك دهشته لكل قارئ!
أخيرًا سعدت كثيرًا بالاطلاع على الكتاب وفكرته منذ بداية بناءه، وسعدت أكثر بثقة الاستاذ سمير السيد لأراجع مؤلفه وأعمل على نقله إلكترونيًا، فخورة به ومتأكدة بأن الكتاب سيدهش كل من يقرأه بتأمل فهور محرض جدًا على الدهشة!
@SameerAlsayed25



العربية


















