سليّم السوطاني retweetledi

رونالدو… حين خرج المجد من قلبه على هيئة إيقاع
حين يعجز القلب عن حمل امتلائه يتحول إلى إيقاع، ولهذا بدا رونالدو تلك الليلة كأنه يقرع صدره أمام العالم على هيئة طبل. ثمة لحظات في حياة الإنسان تتجاوز معنى الاحتفال العابر. لحظات يتحول فيها الفعل الصغير إلى رمزٍ كثيف يختصر رحلة كاملة من التعب والرغبة والسعي نحو الاعتراف. ومشهد رونالدو وهو يضرب الطبل وسط جماهير النصر حمل هذا المعنى بصورة عميقة تكاد تلامس جوهر الإنسان نفسه.
الإنسان في داخله يبحث دائمًا عن صدى يشبهه. يريد أن يسمع وجوده في أصوات الآخرين وأن يرى قلبه يتحرك داخل عيون الجماعة. ولهذا بدت المدرجات تلك الليلة ككائن حي واحد. الأعلام تتحرك مع الهتافات والإيقاع يتكرر في الهواء كنبض جماعي واسع. رونالدو أمضى عمره في مطاردة الكمال. الكمال في الجسد وفي الانتصارات وفي الصورة التي يراها العالم عنه. غير أن القمم العالية تصنع حول أصحابها عزلة خفية. فكلما ارتفع الإنسان أكثر صار أبعد عن دفء اللحظات البسيطة.
ومن هنا جاءت قوة تلك اللقطة. حين طلب الطبل وأمسكه ظهر كأنه يضع يده فوق قلبه للمرة الأولى منذ سنوات طويلة. رفع العصا ببطء ثم هبطت الضربة الأولى. وكانت الأضواء الكاشفة spotlight تتجمع فوقه وحده وسط اتساع المدرجات، كأن الملعب كله انسحب إلى الظل تاركًا الرجل واقفًا داخل دائرة ضوء ضيقة تشبه لحظة اعتراف أخيرة. بدا جسده تحت الإضاءة أكثر عزلة وأكثر وضوحًا، وكأن العالم بأكمله توقف ليراقب إيقاع قلبه وهو يخرج إلى العلن.
حتى ابتسامته بدت واعية بخلود اللحظة، ابتسامة رجل يعرف جيدًا أن عدسات العالم كلها معلّقة على وجهه في تلك الثواني. كان يدرك أن المشهد سيتحول لاحقًا إلى ذاكرة بصرية طويلة، تُعاد آلاف المرات عبر الشاشات والمنصات وعيون الجماهير. ومع ذلك حمل وجهه خفة نادرة، كأن السنوات الثقيلة التي قضاها في مطاردة الكمال تراجعت فجأة إلى الخلف. بدا للمرة الأولى متصالحًا مع صورته أمام الآخرين، يؤديها كنجم يعرف قواعد المشهد، ويعيشها كإنسان سمح لقلبه أخيرًا أن يظهر دون حذر.
صوت عميق خرج من الطبل وانتشر في المدرجات مثل موجة دافئة. وفي تلك اللحظة بدا الإيقاع متصلًا بخفقات قلبه نفسها. كل ضربة حملت شيئًا من تاريخه الطويل. سنوات الركض الطويل تكثفت في ضربة واحدة، تختزل عناد الصعود وضريبة البقاء على القمة. وفي تلك اللحظة بدا العرق والدموع وكأنهما ينحدران من المعنى نفسه، فكلاهما ماء يخرج من الإنسان حين يعجز القلب عن احتمال ما يشعر به.
الطبل في جوهره يشبه القلب. كلاهما يمنح الحياة معناها عبر التكرار. ضربة تتبعها ضربة ثم صدى يثبت أن شيئًا ما يزال حيًا في الداخل. وطبل الجماهير النصراوية تحول إلى مرآة داخلية. الإيقاع الخارجي صار يكشف الإيقاع الخفي في صدر الرجل. فقد وجد قلبه أخيرًا صوتًا مسموعًا خارج الجسد.
ومع كل ضربة على الطبل كان الهتاف يتمدد عبر المدرجات: «Siuuuuuu!» كصدى جماعي يخرج من آلاف الحناجر في اللحظة نفسها، حتى بدا المشهد كله كقلبٍ هائل ينبض بإيقاع واحد. اختفى الحاجز بين اللاعب والمدرجات. صار الجميع داخل نبض واحد. رجل يضرب الطبل وجمهور كامل يمنحه صدى وجوده. وكأن ضربات الطبل كانت تردد مع الجماهير النصراوية حقيقة واحدة: نحن نستحق كأس الدوري.
في الفلسفة القديمة ارتبط الإيقاع دائمًا بفكرة الحياة. القلب يعلن وجود الإنسان عبر النبض والطبل يعلن وجود الجماعة عبر الصوت. ولهذا حمل المشهد ذلك التأثير الغريب. فقد جمع بين النبض الفردي والنبض الجماعي في لحظة واحدة. وكأن المشهد يتهجّى الطريقة التي يتحول فيها الجسد من آلة للإنجاز إلى وعاءٍ للنبض الجماعي.
رونالدو في تلك الثواني بدا بعيدًا عن صورة الأسطورة الباردة التي صنعتها الكاميرات عبر السنين. ظهر كإنسان يحاول أن يتحرر من ثقل المجد عبر إيقاع بسيط يشبه العودة إلى الأصل الأول للأشياء. إلى الصوت البدائي الذي عرفه البشر قبل اللغة وقبل الموسيقى المنظمة.
وفي النهاية، كأن المخرج فهم أن المشهد أكبر من رجل واحد. بدأت الكاميرا تدخل في حركة zoom out، يتسع معها الإطار شيئًا فشيئًا، فتظهر المدرجات بكامل كثافتها، بحرٌ أصفر من الوجوه والأعلام والهتافات. ورونالدو في المنتصف ما يزال يضرب الطبل داخل دائرة الضوء، صغيرًا أمام الامتداد الهائل من البشر، عندها كانت اللحظة تقول إن الإنسان مهما بلغ من المجد يظل في النهاية مجرد نبض داخل قلب جماعة أكبر منه.
ولهذا بقيت اللقطة حيّة في ذاكرة الناس. وقوتها جاءت من ذلك الانسجام الخفي بين ضربات الطبل وخفقات القلب. بين رجل أمضى عمره يركض خلف المجد وبين لحظة وجد فيها نفسه أخيرًا قريبًا من الناس ومن ذاته في وقت واحد. وكأن الأسطورة التي طالما أذهلت العالم بصمتها البارد، اختارت أخيراً أن تتحدث عبر إيقاعٍ بسيط، يفهمه الجميع، ولا يموت.

العربية













