@TafalisWatan سألتك جاوب لا تاروغ ب كلام من اسيادك كم تستلم ع مشاهدات لو النشر لو شنو انت واحد من الاثنين لو ابوك شيشاني لو أفغاني جاوب ع سوأل الاول وبعدين جاوب وكلي ابوك شنو جنسيته
الصورة التي عندها ظهر
من زمان، كان أبو تحسين يشتغل صبّاغ بدائرة حكومية، ومهمته بسيطة: كلما صار الحايط أسود من الدخان أو امتلأ بإعلانات الدورات الخصوصية ومعقّبي المعاملات، يجيب السلم ويصبغه أبيض. الرجل ما إله بالسياسة، وأقصى طموحه أن يكمل الحايط قبل الظهر حتى يلحق على تمن ومرگة البيت.
مرة وصل إلى بناية معلّقين عليها صور كبيرة. وقف تحتها، رفع راسه، وسأل الموظف الواقف يمه:
ـ هاي نشيلها لو نصبغ حواليها؟
الموظف دقق بالصور، وبعدين التفت يمين ويسار كأنه يريد يعبر شارع سريع، وگاله:
ـ اصبغ حواليها.
أبو تحسين استغرب:
ـ بس الحايط كله وصخ، وإذا بقت الصور راح يطلع اللون فرق.
گاله الموظف:
ـ خلي يطلع فرق، المهم إحنا ما نطلع من الدوام فرق.
ومن ذاك اليوم فهم أبو تحسين أن الحيطان بالعراق مو كلها ملك الدولة، حتى لو كانت البناية ملك الدولة، والراتب من الدولة، والصبغ مشتريته الدولة.
لهذا عندما قام لواء عراقي برفع صور قادة إيرانيين من بناية عراقية، تصرف مثل أبو تحسين قبل أن يتعلم أصول المهنة. شاف بناية، شاف صورًا مو من شأنها تكون هناك، وأدى واجبه. لم ينتبه أن الواجب في العراق ما يتنفذ بالنظر إلى التعليمات، وإنما بالنظر إلى صاحب الصورة.
المشكلة أن اللواء أخذ رتبته بجدية. ظن أن النجوم الموضوعة على كتفه تعني أن الدولة فوق الجميع، ولم يعرف أن بعض الصور عندها نجوم أكثر منه، حتى لو أصحابها ليسوا عراقيين، ولم يخدموا في مؤسسة عراقية، ولم ينتخبهم عراقي واحد. الرجل تعامل مع الشارع على أساس أنه شارع عراقي، وهذه أول غلطة يرتكبها الموظف الذي يريد أن يعيش طويلًا في وظيفته.
ما إن نُزعت الصور حتى تحركت الأحزاب، وارتفعت الأصوات، وبدأ الحديث عن المحاسبة والتحقيق والإهانة والتجاوز. المواطن العراقي، الذي إذا ضاعت معاملته يحتاج ثلاثة أشهر حتى يجد موظفًا يسمعه، شاهد بأم عينه كيف تستطيع صورة واحدة أن تحصل خلال ساعات على نواب ومحامين وناطقين رسميين وكتائب إلكترونية.
لا أحد من الغاضبين سأل: من سمح بوضع الصور أصلًا؟ هل الشارع العراقي معرض لرموز الدول؟ هل يستطيع ضابط عراقي أن يعلق صور قادة العراق في شوارع طهران ثم يطالب الإيرانيين باحترام مشاعره؟ هذه الأسئلة ثقيلة، ولهذا تركوها جانبًا وذهبوا إلى السؤال الأسهل: من تجرأ على رفعها؟
وكلمة “تجرأ” وحدها تكفي لفهم الحكاية. لأن الإنسان لا يقول “تجرأ” عن شخص أزال مخالفة؛ يقولها عندما يشعر أن أحدًا اقترب من ملكه الخاص. الغضب لم يكن دفاعًا عن صورة ورقية، بل إعلانًا غير مباشر بأن جزءًا من الشارع العراقي صار محجوزًا عاطفيًا وسياسيًا لدولة أخرى، وأن يد الدولة العراقية لا يجوز أن تمتد إليه إلا بعد أخذ الموافقة.
لذلك لا أعتقد أن اللواء يحتاج إلى لجنة تحقيق. يحتاج فقط إلى دورة قصيرة في فهم الدولة العراقية. يشرحون له فيها أن البناية عراقية من الخارج، لكن الحايط قد تكون له جنسية أخرى، وأن الرتبة تخوّله تنفيذ الأوامر، لا لمس الصور، وأن السيادة كلمة محترمة جدًا ما دامت لا تُستعمل في المكان الخطأ.
أما أبو تحسين، فقد كان أذكى من اللواء. يوم رجعوا له بعد سنوات حتى يصبغ البناية نفسها، وجد الصور ما زالت معلقة، والحايط من خلفها تشقق، والرطوبة أكلت أطرافه. سأله الموظف:
ـ ليش ما تصلحه؟
گاله أبو تحسين:
ـ أخاف ألمس الحايط وتزعل الصورة.
ثم جمع عدته ومشى، لأن الرجل فهم قبلنا جميعًا أن بعض الصور في العراق لا تُعلّق على الجدران… بل الجدران هي التي تُعلّق بها.