
Wafa
108 posts









عن أمهاتي العظيمات! مرَّ على العبد الفقير إلى الله تعالى زمنٌ، كان يحفل فيه بأكناف جمع من الأمهات، اللاتي كانت الحياة بهن رائعة بديعة بهيجة خلاَّبة، فكُنَّ ينابيع فضائل، وسحائب قيم، ومنارات حنان، وجبال محبة، ولم تبقَ اليوم منهن واحدة، أحسن الله ضيافتهن، ووسع مراقدهن، وأعلى درجاتهن. وهن: والدتي؛ مزنة المحمد العطيشان، وجدَّتي لأمي؛ حصة المحمد الدخيل، وجدَّتي لأبي؛ لطيفة الدهش التويجري، وجدَّة أبي؛ هيلة المحمد المسفر، غفر الله لهن مغفرة واسعة. ولا تسل عن فيض فضائلهن الوافر، ولا عن ما كنا ننعم به من المحبة الصادقة التي نتنفسها بسبب جمع الأمهات العظيم هذا. وإذا كانت الحياة في ظل أم واحدة، حياة غنية ثرية جميلة جليلة قيِّمة، فما بالك بمجموعة من الأمهات، يغدقن عليك بصنوف قِيَمٍ تصلك بأسلوب عجيب من التعليم بالحب، فتحفل بمعلومات هذه القيمة أو تلك، وتتبناها، وتحمل لواءها، إذ تلقيتها في سياقاتٍ، لا يتقنها غير الأمهات العظيمات. كلما تأملت ما وضعه الله في الأمهات من شلالات عطاء، استحضرت عظمة الله في خلقه، فليس لعطاءِ أمٍ عدٌ ولا حدٌ ولا صدٌ ولا ردٌ، ولا غرابة في تجدد العجب منه يوما بعد يوم. أكاد أجزم بأن من ملامح تشكل النفسية السوية لدى الرجل، أن ينشأ تحت عناية جمع من النساء، وكلما كانت علاقته مع المرأة علاقة من ينهل من عطائها، حتى يشب عن الطوق، انعكس ذلك على نجاح حياته المستقبلية. فالمرأة عنصر التوازن الرئيس في هذه الدنيا. وأظن تفسير قول الرسول صلى عليه وسلم: "حُبِّبَ إليَّ من دنياكم الطيب والنساء"، بأنه يعني العلاقة الجسدية مع المرأة، تفسير لا يليق بمقام النبوة، بل حُببت له النساء، بما منحهن الله من قدرة مذهلة في البذل، والعطاء، للأولاد، والأزواج، والآباء، والأمهات، والإخوة، والأخوات، امتدادا لغيرهم. ويا لحسرة ألمي على فراق أمهاتي، رحمهن الله، ومع ما تفضل الله به علي من برهن ووصلهن، إلا أني أتلهف لأن يعود الزمان بهن، فأزداد من لقياهن وأَعُبُّ من زلال مائهن، مستمعا مستمتعا، منصتا تمام الإنصات، راصدا لجليل طباعهن، وجميل أخلاقهن. وأقول لمن لا تزال فرصته سانحة، أسرع إلى ما يتحسر عليه غيرك. حفظ الله الحي من الأمهات، ورحم سبحانه الراحلات منهن، والله يرعاكم. * بقلم: #تركي_الدخيل



















