Lamia retweetledi

{وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْم}.
نَفَشَتْ: كلمة من أربعة أحرف، لكن حين تمشي داخلها مُتدبرًا، تجد ليلًا، وغنمًا سارحة، وزرعًا بلا حارس، وحُكمًا عادلًا، ومسؤولية تتحدد بكلمة، ومشهدًا بصريًا مُكتملًا. النفش في لسان العرب: انتشار الغنم ليلًا في زرع الناس بلا راعٍ. فالعرب تُفرق بين حالتين: إن دخلت الماشية الزرع ليلًا قالوا نفشت، وإن كان ذلك نهارًا قالوا هَمَلت. والله سبحانه وتعالى اختار الكلمة التي تحمل الليل في جوفها، لأن الليل هنا ليس تفصيلًا عابرًا، الليل هو مفتاح الحكم؛ فالعادة أن صاحب الماشية يحبسها ليلًا ويطلقها نهارًا، وصاحب الزرع يعمل فيه نهارًا ويتركه ليلًا، فمن فرط في حبس غنمه في الليل فالذنب ذنبه. ومن فرط في حراسة زرعه في وقت الرعي فالذنب ذنبه. والله حين قال «نفشت» لا «هملت»، كان يُعلن بكلمة واحدة أن صاحب الغنم هو المفرط، ومن هنا نفهم اختلاف الحكم بين داود وسليمان عليهما السلام، حكم داود بأن تُدفع الغنم لصاحب الحرث تعويضًا كاملًا، لكن سليمان حكم بأن يأخذ صاحب الحرث الغنم ينتفع بلبنها وصوفها، حتى يُصلح صاحب الغنم الزرع ويُعيده كما كان، ثم تعود إليه غنمه، حكمٌ لا يُهلك أحدًا. وكلمة «نفشت» هي التي فتحت باب هذا الحكم؛ لأنها حددت الزمان، وبالزمان تحددت المسؤولية. ثم تأمل الكلمة من جهة أخرى، تقول العرب: نفشتُ القطن، أي فرّقته بأصابعي حتى صار سحابة بيضاء. ويقولون: انتفش الطائر، أي نفخ ريشه فبدا أكبر مما هو. الجذر في أصله يحمل صورة الانتشار والتمدد وملء الفراغ، شيء كان مجتمعًا ثم صار يملأ المكان. فتخيل الآن: ليلٌ وحقلٌ تحت شيء من ضوء القمر، وسكون لا يقطعه شيء، ثم من بعيد تتسلل الأغنام واحدةً بعد أخرى، تتوزع في الزرع، تنتفش في المكان بأصوافها، كأن كتلة قطن واحدة انتفشت. ولو وضعت مكانها ما شئت من الكلمات: رعت، أفسدت. ستجد الليل ذهب، والصورة بهتت، والحكم اختل.
العربية























