
نادر رجب
4.1K posts

نادر رجب
@NaderRajab
دكتوراه في علم الاجتماع، استشاري تربوي واجتماعي، مدرّب وكوتش في القيادة والتنمية الإنسانية، عضو مؤسس في جمعية التجديد الثقافية - البحرين













نمط خطابي يتكرر عبر التاريخ، يتمثل في تكريس الوهم وإعادة إنتاج الجهل المذهبي، عبر تصوير الخلافات الكلامية والجزئية وكأنها معارك مصيرية. هذا النمط يقدم نفسه بصورة "حارس العقيدة"، "حامل السيف المذهبي"، وربما في حالة البعض فيعتقد أنّه يمثّل "سيف ذو الفقار" في صرامته وحدّته على الخصوم، بينما في الحقيقة هو يختزل الدين في جدل لا ينتهي، بعيد عن جوهر الأخلاق والروح والمعنى. هذا الخطاب يقوم على افتعال المعارك ليل نهار، في سلوك أقرب لسلوك المتعصبين لأندية كرة القدم عبر تحقيق الانتصارات الطفولية. يُحوَّل الاختلاف المذهبي إلى ساحة صراع مستمر، يُستدعى فيها التاريخ بهدف إنتاج معارك حاضرة وليس لأخذ العبر الأخلاقية. سلوك يبرر لنفسه بشتى المبررات مثل أنّه يذود عن حياض الإسلام، ويحامي عن الزهراء عليه السلام، وينصر أهل البيت (ع) على أعدائهم. أوهام لا أول لها ولا آخر. هكذا ينشغل الناس بسجالات لا تضيف فهما ولا وعيا ولا أخلاقا، ولكن فقط تنتج علوا وغرورا، وتعيد إنتاج مآسي الماضي. من مآسي هذا الخطاب أيضا أنّه يطمئن جماعته اطمئنانا زائفا، عبر إيهامهم بأنهم يمتلكون الحقيقة المطلقة، فهم أصحاب الحجج الدامغة الفاضحة القاطعة التي كشفت ضعف بنيان خصومهم، بدل أن يحفّز فيهم روح البحث والتساؤل والاعتراف بنسبية الفهم البشري. خطاب يحوّل الدين من مشروع للتحرر الداخلي وبناء الإنسان، إلى سور عال يفصل بين الانسان وذاته، وبين الانسان وأخيه الانسان. فنحن أصحاب الحق، لا نحتاج للمراجعة، ولكننا نحتاج لكشف زيف عقائد الآخرين حتى ينحازوا إلى مذهبنا. ويا فرحتهم إذا انتقل إنسان من مذهبه إلى مذهبهم، كأنّهم انتصروا انتصارا عظيما، ويسمون ذلك "استبصارا". ما معنى كلمة استبصار أصلا، وكم تكدّس من غرور؟ خطاب يشغل الناس عن قضايا الإنسان الكبرى: العدل، الحرية، الوعي، تزكية النفس، علاقة العقل بالدين، معنى الحياة، ومكانة القيم، ويشغلهم بالجدليات العقيمة: عقيدتنا هي العقيدة الحق، موقف أئمتنا هو الموقف الحق وموقف أئمة الآخرين هو الباطل والضلال. وكل ذلك نفخ في الهوية الذاتية والجماعية تحت غطاء الدفاع عن علي عليه السلام والانتصار لمظلومية الزهراء عليها السلام. يظنّ أصحاب هذا الخطاب أنّهم حين يُلحقون سجالاتهم المذهبية بعبارات من قبيل "نحن ندعو إلى الوحدة" "ونحارب الفتنة والفرقة"، فإنّ ذلك يكفي لتبرئة خطابهم، وكأنّ التلفظ بشعار الوحدة يمنحهم حصانة أخلاقية ضدّ نتائج خطابهم. إنّ خطابهم يعمل، من حيث يشعرون أو من حيث يشعرون، على بناء حواجز نفسية عميقة بين الانسان وبين أخيه الانسان: حواجز من الشعور بالتفوق، والحذر، والتمييز على أساس الانتماء لا على أساس القيم الانسانية. حديثهم عن الوحدة زينة فقط، يستخدم لتهدئة الضمير، ورفع آثار الخطايا عن خطابهم، بعد شحنه بالعلو والعدوان، والغرور، والجهل، والوهم. الانقسام لا يحتاج إلى صراخ وعبارات عدائية كما يفعل أصحاب القنوات الطائفية والألسنة البذيئة فهؤلاء مفضوح اسلوبهم إلا عند المهووسين بالمعارك والكراهية، ولكن الخطر إنّ أمثال هذه مناكفات "الهادئة" خطرها إنّها قد تستهوي حتى الذي لا يبحثون عن الصدامات المباشرة، ولكنهم يريدون اطمئنانا أنّهم أصحاب راية الحق، وورثة الدفاع عن مظلومية أهل البيت. ولا أدري، هل يوجد مظلومية لأهل البيت أكبر من أن يُستثمر اسمهم في هذه المعارك الزائفة؟! لذلك فإنّ هذه المناظرات والخطابات، تعيد تعريف الإسلام من دين عالمي جاء ليهذب الإنسان ويرسخ قيم الرحمة والكرامة، إلى إسلام مذهبي ضيق كله صراعات، وباسم أهل البيت عليهم السلام. #الاسلام #الشيعة #السنة













